
في رحاب هذه الأيام المباركة، ونحن نعيشُ نفحات الثلث الأول من شهر رمضان الفضيل؛ شهر الصيام والقيام، والشهر الذي اختصه الله بكونه ظرفاً زمنياً لنزول الوحي: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ﴾، وجدتُ لزاماً عليّ – من باب الأمانة العلمية والواجب الإيماني – أن أفتح معكم هذا الملف المعرفي الهام. فليس هناك وقتٌ أنسب من شهر القرآن، لنتساءل بصدق: كيف نستعيدُ صلتنا بهذا الكتاب العظيم؟ وكيف نجعلُ منه منهاجاً حياً يُضيءُ دروبنا في واقعنا المعاصر، بدلاً من أن نكتفي بترتيله دون استبصار، أو الوقوف عند حدود الشروح دون تدبر؟
منذ قرون طويلة، تشكّل في الوعي المسلم تصورٌ غير مُعلَن مفاده أن القرآن الكريم نصٌّ لا يُقارب مباشرة، وأن الطريق إليه يمر حتمًا عبر وسيط شارح، يمنح القارئ مفاتيح الفهم ويضبط له حدود المعنى. ومع مرور الزمن، تحوّل هذا الوسيط – أي كتب التفسير – من أدوات خدمة للنص إلى طبقات معرفية كثيفة حجبت كثيرًا من المسلمين عن التفاعل الحي مع الوحي.
وانطلاقاً من اهتمامي بقضايا الهجرة و الإسلام ومتابعتي للندوات الفكرية المتخصصة، ومن موقعي ككاتب صحفي مقيم في إيطاليا؛ ألمسُ عن قرب حراكاً معرفياً تقوده الجالية المسلمة والجيل الجديد بحثاً عن التميز وفهمٍ رصين يجيب عن أسئلة الهوية والمواطنة. هذا الواقع جعلني أوقن بضرورة إعادة ضبط العلاقة بين النص الإلهي المعصوم والفهم البشري النسبي، بعيداً عن صرامة بعض الدعاة الذين ما زالوا يحصرون الخطاب الديني في دائرة العرف والتقليد، ويُغيّبون ركن الاجتهاد الذي تفرضه متغيرات عصرنا.
حين نستنطق القرآن الكريم، نجد أن النداء الإلهي موجّه لعموم العقول: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد: 24). الآية لم تندبنا للتفسير ابتداءً، بل قالت ليدّبروا؛ فالتدبر إذن فريضة وعي، وليس امتيازاً نخبوياً. أما التفسير بمعناه الاصطلاحي فهو عمل علمي تخصصي، لا يُطلب من كل أحد. وهنا يكمن الخلل المنهجي حين تحوّل التفسير إلى بوابة إلزامية بين المؤمن وكتاب ربه، متناسين ما أقره شيخ الإسلام ابن تيمية بأن “الاختلاف في التفسير أكثره من اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد”، وهذا يعني أن التفسير بطبيعته تعددي، ولو كان معصومًا لما اختلف فيه الفحول.
يصف الله عز وجل كتابه بقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّـهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾ (المائدة: 15). والنور بطبيعته لا يُشرح لكي يعمل، بل يُستضاء به لتبصر الطريق. إن المشكلة ليست في غموض النص، بل في غياب الاستعداد القلبي. وكما قال الإمام الطبري في مقدمة تفسيره إن القرآن بيان من الله لعباده، فإن البيان الإلهي واحد، لكن المدارك البشرية متعددة. القرآن الكريم لم ينزل ليكون موضوعًا للدراسة في قوالب لغوية جامدة، بل ليكون ميزانًا نزن به عقولنا، ونبني من خلاله إدراكنا ووعينا الفرديّ والجمعيّ.
لقد وقع العقل المسلم المعاصر بين طرفين كلاهما مرّ:
جمود تقليدي: يكتفي بتكرار أقوال السابقين دون وعي بسياقاتهم، محولاً النص الحي إلى متحف للآثار الفقهية.
انفلات حداثي: يُخضع النص لنظريات مادية عابرة تفقد الوحي قدسيته. والمنهج الصحيح هو ما قرره الإمام مالك حين قال: “لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها”. وما صلح به أولها لم يكن كثرة الحواشي والشروح، بل التفاعل الوجودي الحي مع الوحي، حيث كان الصحابة رضي الله عنهم – كما روي عن ابن مسعود – لا يتجاوزون عشر آيات حتى يعملوا بها؛ فكان القرآن عندهم مشروع حياة، لا مادة جدل.
ما نحتاجه اليوم من السادة العلماء والمفتين ليس هدم التراث، بل تحرير العلاقة معه. أن نستفيد منه دون أن نقدسه أو نجعله وصياً على النص. وكما قال ابن القيم: “القرآن بحر لا ساحل له”، فكيف نحصر هذا البحر في قوارب الشروح القديمة فقط؟ إن الثورة الحقيقية ليست في شرح كتاب الله عز وجل، بل في تحويله إلى مصدر الإدراك؛ لا أن نُخضعه لمستوى وعينا المحدود، بل أن نرتفع بوعينا إليه. إن القرآن قادر على تقديم الإجابات عن أسئلة الواقع، تماماً كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يردد آية واحدة ليلة كاملة يتدبرها؛ فهذا هو التدبر: تفاعل وجودي، لا تمرين لغوي فحسب.
إن دعوتنا ليست إلى إلغاء التفسير، بل إلى وضعه في مكانه الطبيعي: وسيلة لا غاية، وخادم للنص لا وصيّ عليه. آن الأوان أن ننتقل من سؤال: ماذا قال فلان في الآية؟ إلى سؤال: ماذا تريد هذه الآية أن تصنع فيَّ وفي واقعي؟. فالقرآن لم ينزل ليُحاط بالحواشي، بل لينشئ أمة وسطاً، ويصنع مستقبلاً تشرق فيه أنوار الوحي على عقول الأحياء.
وختاماً، فإنني بما سطرته في هذا المقال المتواضع، لا أرومُ مَقام التطفل على السادة العلماء وأهل الاختصاص، ولا أدّعي مجاوزة أهل الفقه والتفسير الذين هم أهل الذكر والقدوة؛ وإنما هي محاولةٌ متواضعة لتفعيل مبدأ التعلم، واستنهاض هِمّة الاجتهاد والتدبّر التي هي حقٌّ مشاع لكل مسلم يتوق لفهم مراد ربه. فإن كنتُ قد أصبتُ فبفضلٍ من الله وتوفيقه وهو المستعان، وإن كانت الأخرى فمن نفسي ومن الشيطان، وحسبي أنني أردتُ فتح نافذةٍ للنور في واقعٍ يحتاج إلى هداية القرآن أكثر من أي وقت مضى. سامح الله مَن رأى في قولي عوجاً فأصلحه بجميل نصحه، وغفر الله لي ما قصرتُ فيه من بيان.
و اذكركم إنني إذ أضع هذه الرؤية بين أيديكم، أفتحُ قلبي وعقلي لكل نقدٍ بنّاء أو تعقيبٍ رصين يثري هذا الطرح. لذا، فإنني أوجه عناية الإخوة القراء، والأساتذة العلماء، والمهتمين بالشأن الفكري، بأن ردودكم وملاحظاتكم محلّ اعتزاز وشرف لي؛ فالعلمُ رَحِمٌ بين أهله، وبمثل هذه المطارحات نتكامل ونرتقي بفهمنا لكتاب ربنا. إن هدفنا جميعاً هو خدمة هذا الدين وإعلاء كلمة الحق، ويشرفني أن أتلقى آراءكم لنستكمل معاً رحلة البحث عن أنوار التدبر في هذا الشهر الكريم.







