تعليمصحة

​شفرة الدم البشرية

تعد فصائل الدم نظاماً تصنيفياً بيولوجياً معقداً يتجاوز في جوهره مجرد الحروف (A, B, O)، حيث يمثل نظاماً مناعياً متكاملاً يعتمد على وجود بروتينات وسكريات دقيقة تُعرف بالمستضدات (Antigens) تكسو غشاء كرات الدم الحمراء. من الناحية الجينية، يتحكم في نظام (ABO) جين واحد يقع على الذراع الطويلة للكروموسوم رقم 9 (الموقع 9q34.2)، ويتميز هذا الجين بتعدد الأشكال، حيث يمتلك ثلاثة أليلات رئيسية. الأليلان A وB يعملان على تشفير إنزيمات “جليكوسيل ترانسفيراز” التي تقوم بإضافة جزيئات سكرية محددة إلى مادة أساسية تسمى “المستضد H”؛ فإذا أضاف الإنزيم سكر (N-acetylgalactosamine) تشكلت الفصيلة A، وإذا أضاف (D-galactose) تشكلت الفصيلة B. أما الأليل O، فهو نتاج طفرة جينية تؤدي لإنتاج إنزيم غير فعال، مما يترك المادة H خاماً دون إضافات. وتخضع وراثة هذه الفصائل لقوانين مندل بدقة مذهلة، حيث يسود الأليلان A وB سيادة مشتركة (Codominance) بينما يختبئ الأليل O كصفة متنحية؛ وهذا التداخل الجيني هو ما يفسر احتمالية إنجاب طفل فصيلته O من أبوين يحملان فصائل A وB هجينة (AO و BO)، بنسبة احتمالية تصل إلى 25% لكل طفل.
​ولا تكتمل الهوية الدموية دون نظام “الريزوس” (Rh)، وهو نظام بروتيني معقد يتحكم فيه جينان متلاصقان (RHD و RHCE). البروتين D هو الأكثر أهمية سريرياً، حيث يحدد وجوده الفصيلة “الموجبة” وغيابه الفصيلة “السالبة”. تبرز الأهمية القصوى لهذا النظام في “التوافق الجنيني”؛ ففي حال كانت الأم سالبة والأب موجباً، قد يرث الجنين صفة الأب، مما يدفع جهاز الأم المناعي في الأحمال التالية لتكوين أجسام مضادة من نوع (IgG) تخترق المشيمة وتهاجم كرات دم الجنين، وهو ما استدعى ابتكار حقن “الأنتي دي” لمنع هذا التحسس المناعي. ولضمان أمان نقل الدم، تُجرى في المختبرات عملية “المطابقة المتقاطعة” (Cross-matching) التي تتجاوز مجرد فحص الفصيلة؛ حيث يتم خلط مصل المريض مع خلايا المتبرع (المطابقة الكبرى) ومصل المتبرع مع خلايا المريض (المطابقة الصغرى) تحت درجة حرارة 37 درجة مئوية لفترة حضانة محددة، وذلك للكشف عن أي أجسام مضادة خفية قد تسبب “التلازن” (Agglutination) الذي يؤدي لانحلال الدم القاتل.
​إلى جانب هذه الأنظمة الشهيرة، توجد عوالم مخفية من الفصائل النادرة والأنظمة الثانوية التي يبلغ عددها أكثر من 45 نظاماً، مثل نظام (Kell) الذي يعد ثالث أكثر الأنظمة إثارة للمناعة، ونظام (Duffy) الذي يرتبط بمقاومة أنواع من الملاريا، ونظام (Kidd) المعروف بخطورته في التفاعلات المتأخرة. وتظهر الحالات الاستثنائية مثل “فصيلة بومباي” التي يفتقر أصحابها تماماً للمادة H، مما يجعلهم غير متوافقين مع أي دم بشري تقليدي، وفصيلة “الدم الذهبي” (Rh-null) التي تفتقر لكافة مستضدات الريزوس الـ 61، وهي ندرة عالمية تجعل أصحابها يعيشون في حالة طوارئ دائمة، حيث يتم تخزين تبرعاتهم بتقنية “التجميد العميق” (Cryopreservation) في بنوك دولية مخصصة. ولا تقتصر هذه الفصائل على نقل الدم فحسب، بل تمتد لتؤثر على الاستعداد المرضي؛ حيث تشير المراجع الطبية (مثل مراجع AABB) إلى أن أصحاب الفصيلة O لديهم حماية طبيعية نسبية ضد التجلط الوريدي والملاريا الوخيمة، بينما يزداد خطر الإصابة بأمراض القلب التاجية وبعض السرطانات الهضمية لدى الفصائل A وAB، مما يجعل من فصيلة دمك سجلاً تاريخياً وطبياً متكاملاً يتجاوز مجرد قطرات حمراء.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا