صحة

الارتجاع المريئي: المعركة الصامتة بين الحمض والأنسجة وطرق الحسم الطبي

البيضاء _ زينب السايح

​يعتبر ارتجاع المريء حالة طبية مزمنة تنجم عن ارتداد حمض المعدة أو المحتويات الصفراوية إلى الأنبوب الواصل بين الفم والمعدة، وهو ما يؤدي إلى تهيج الغشاء المخاطي المبطن للمريء وحدوث سلسلة من الأعراض المزعجة والمضاعفات المحتملة. تنشأ هذه المشكلة أساساً نتيجة خلل وظيفي أو ميكانيكي في العضلة العاصرة المريئية السفلى، وهي صمام عضلي يعمل كبوابة تسمح بمرور الطعام إلى المعدة وتمنع عودته للأعلى؛ فحين تسترخي هذه العضلة في غير وقت البلع أو تضعف قوتها الانقباضية، يجد الحمض طريقاً سهلاً للارتقاء نحو نسيج المريء غير المهيأ لتحمل درجة الحموضة العالية، مما يسبب الشعور التقليدي بالحرقان خلف عظمة القص. وتتداخل عوامل عديدة في تفاقم هذه الحالة، منها فتق الحجاب الحاجز الذي يغير التموضع التشريحي للمعدة، والسمنة التي تزيد الضغط داخل تجويف البطن، فضلاً عن العادات الغذائية غير الصحية مثل تناول الوجبات الدسمة، والشوكولاتة، والكافيين، والحمضيات، والتدخين الذي يرخي العضلة العاصرة بشكل مباشر.
​تتجاوز الأعراض مجرد الحموضة التقليدية لتشمل أعراضاً خارج المريء قد تختلط على المريض وتشمل السعال الجاف المزمن، والتهاب الحنجرة، وبحة الصوت، وتآكل مينا الأسنان، بل وقد تصل إلى نوبات تشبه الربو الشعبي نتيجة استنشاق كميات مجهرية من الحمض. ومن الناحية التشخيصية، يعتمد الأطباء على التاريخ المرضي الدقيق، وفي الحالات المقاومة للعلاج يتم اللجوء إلى المنظار العلوي لتقييم مدى تضرر الأنسجة، أو قياس درجة الحموضة (pH) على مدار 24 ساعة، أو قياس ضغوط المريء للتأكد من كفاءة الحركة الدودية. وتكمن الخطورة في إهمال العلاج، حيث قد يتطور الأمر إلى تضيق المريء، أو القرحات النزفية، أو ما يعرف بـ “مريء باريت”، وهي حالة تتغير فيها خلايا المريء لتصبح شبيهة بخلايا الأمعاء، مما يزيد من احتمالية الإصابة بالأورام على المدى البعيد.
​يرتكز بروتوكول العلاج الطبي على ثلاثة محاور رئيسية تبدأ بتعديل نمط الحياة كحجر زاوية، ويشمل ذلك تقسيم الطعام إلى وجبات صغيرة متفرقة، وتجنب الاستلقاء قبل مرور ثلاث ساعات على الأقل من آخر وجبة، ورفع مقدمة السرير بزاوية 15 إلى 20 درجة لضمان عمل الجاذبية الأرضية في منع الارتجاع أثناء النوم. أما المحور الدوائي، فيبدأ باستخدام مضادات الحموضة الموضعية للحالات الطفيفة، ثم الانتقال إلى حاصرات مستقبلات الهيستامين (H2 Blockers) لتقليل إفراز الحمض، وصولاً إلى الفئة الأكثر فعالية وهي مثبطات مضخة البروتون (PPIs) مثل الأوميبرازول والبانتابرازول، والتي تعمل على غلق “المضخات” المسؤولة عن إفراز الحمض في الخلايا الجدارية للمعدة، مما يمنح المريء فرصة للالتئام والتعافي. وفي الحالات التي لا تستجيب للأدوية أو المرضى الذين لا يرغبون في الاستمرار على العلاج الدوائي مدى الحياة، تبرز الجراحة كخيار فعال، وخاصة عملية “ثني القاع لنيسين” التي تتم بالمنظار لتقوية الصمام المريئي، أو تقنيات حديثة مثل زرع حلقة مغناطيسية (LINX) لتدعيم العضلة العاصرة، مما يعيد للجهاز الهضمي توازنه الوظيفي ويمنع الارتداد بشكل جذري.

Ahame Elakhbar | أهم الأخبار

جريدة أهم الأخبار هي جريدة مغربية دولية رائدة، تجمع بين الشمولية والمصداقية، وتلتزم بالعمل وفقًا للقانون المغربي. تنبع رؤيتها من الهوية الوطنية المغربية، مستلهمة قيمها من تاريخ المغرب العريق وحاضره المشرق، وتحمل الراية المغربية رمزًا للفخر والانتماء. تسعى الجريدة إلى تقديم محتوى يواكب تطلعات القارئ محليًا ودوليًا، بروح مغربية أصيلة تجمع بين الحداثة والجذور الثقافية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا