تعليم

كلاود: العقل الرقمي الذي يطارد الأشباح في دهاليز الحرب المستترة

​في اللحظة التي تلامس فيها أصابعك لوحة المفاتيح لتطرح سؤالاً على “كلاود” (Claude)، ذلك النموذج اللغوي المبتكر من شركة “أنثروبيك”، فأنت لا تخاطب مجرد برنامج آلي، بل تستنطق واحدة من أعقد البنى البرمجية التي عرفها العصر الحديث، والتي صُممت لتكون أكثر أماناً وأقرب لفهم القيم الإنسانية عبر ما يُعرف بـ “الذكاء الاصطناعي الدستوري”. إن هذا النظام الذي يتفوق في تحليل النصوص الضخمة وقراءة ما بين السطور، ليس مجرد أداة للكتابة الإبداعية أو البرمجة، بل هو محرك استدلالي جبار يعتمد على هندسة “المحولات” (Transformers) التي تتيح له استيعاب سياقات لغوية وتاريخية وجغرافية لا تدركها العين البشرية المجردة. وبينما ينبهر المستخدم العادي بقدرة “كلاود” على تلخيص الكتب أو صياغة التقارير الصحفية الرصينة التي تليق بمديري التحرير في الصحافة الدولية، فإن خلف هذه الواجهة الهادئة تكمن قدرات تحليلية جعلت من تقنيات الذكاء الاصطناعي ركيزة أساسية في العقيدة العسكرية المعاصرة. لقد انتقلت ساحة المعركة من التضاريس الأرضية إلى الخوارزميات، حيث يتم تلقيم هذه الأنظمة بمليارات البيانات المستقاة من الأقمار الصناعية، وإشارات الهواتف، وتحركات الوسائط الاجتماعية، وحتى أنماط التنفس في المكالمات المشفرة. وبالحديث عن الواقعة التي هزت الأركان مؤخراً، فإن الدور الذي لعبته هذه البرمجيات في تتبع وتحديد موقع المرشد الإيراني علي خامنئي وصولاً إلى تصفيته، يمثل ذروة الاندماج بين “الذكاء التوليدي” و”الاستخبارات الجيومكانية”. لم يكن الأمر مجرد رصد عشوائي، بل كان “كلاود” وأشباهه من النماذج المتقدمة يقومون بعملية “ربط النقاط” المستمرة، حيث تم تحليل آلاف الساعات من البيانات الصوتية لتمييز الترددات الفريدة لصوته، وربطها بالظلال التي تظهر في الصور الجوية لتحديد عمق الملاجئ التي كان يختبئ فيها. إن هذه الأنظمة تعمل كقاضٍ وجلاد رقمي؛ فهي لا تكتفي بجمع المعلومات، بل تقدم احتمالية “الهدف المؤكد” بنسب دقة تتجاوز 99%، وهو ما منح القادة العسكريين الثقة لاتخاذ قرار الضغط على الزناد في توقيت لا يسمح بالخطأ. ومع ذلك، يجب توضيح لغط تقني هام؛ فبينما يمتلك “كلاود” القدرة على تحليل التكتيكات ورسم السيناريوهات، تظل النماذج العسكرية الصرفة هي التي تنفذ مهام القتل المباشر، لكن العقل المدبر الذي استطاع فك شفرة “الاختفاء” وتوقع الخطوة القادمة للهدف بناءً على سلوكياته التاريخية هو هذا النوع من الذكاء الاصطناعي الذي يقرأ التاريخ ليتنبأ بالمستقبل. إننا نعيش اليوم في عصر لا يحتاج فيه القناص إلى رؤية خصمه، بل يكفيه أن يثق في خوارزمية قررت أن هذا “النسق الرقمي” يطابق جسد الهدف المطلوب، مما يجعل من “كلاود” وأقرانه سلاحاً صامتاً يعيد صياغة خرائط القوة والنفوذ في الشرق الأوسط والعالم، محولاً الكلمات والبيانات إلى رصاصات لا تخطئ طريقها أبداً.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا