
إن المتأمل في سِيَر الأنبياء والرسل يدرك أن الاصطفاء الإلهي لم يرفع عنهم الخصائص البشرية، بل جعلهم أكمل الخلق إحساساً وأصدقهم تعبيراً عن لواعج النفس وتطلعاتها نحو كمال المعرفة؛ فالتساؤلات التي حفلت بها نصوص الوحي لم تكن نابعة من شك في أصل الوجود الإلهي أو ريب في وحدانيته، بل كانت سعياً حثيثاً لترقية النفس من “علم اليقين” الذي يقوم على النقل والخبر، إلى “عين اليقين” الذي يستند إلى المشاهدة والعيان، وهذا المقام لا يدركه إلا من صفت نفسه وبلغت ذروة المحبة والشوق. ونبدأ بخليل الله إبراهيم عليه السلام، ذلك النبي الذي أُري ملكوت السماوات والأرض ليوقن، ومع ذلك اشتاقت نفسه لشهود “الكيفية” التي يحيي بها الخالق العدم، فوقف في حضرة الجلال قائلاً: “رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ”، وهنا نجد حواراً إلهياً رفيعاً يتجاوز حرفية النص؛ فحين سأله ربه: “أَوَلَمْ تُؤْمِن؟”، لم يكن السؤال للاستفهام بل للتقرير والبيان أمام الخلائق، فجاء رد الخليل حاسماً: “بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي”. وفي هذا السياق، يقول النبي محمد ﷺ في الحديث الصحيح: “نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ”، وهو قولٌ يحمل في طياته تواضع النبوة، ويوضح أن ما اعترى إبراهيم لم يكن شكاً قادحاً، بل كان طلباً لزيادة التثبيت وسكون الفؤاد بقطع الخواطر، فأمره الله بتجربة حسية معجزة؛ أن يأخذ أربعة من الطير فيقطعهن ويفرق أجزاءهن على الجبال، ثم يدعوهن، فإذا بالرفات يجتمع والريش ينبت والحياة تعود في لحظة خاطفة، ليعاين إبراهيم بعينه كيف يجتمع الشتات، فيتحقق له يقين المشاهدة الذي يطرد أدنى وسوسة قد يلقيها الشيطان في روع البشر. أما كليم الله موسى عليه السلام، فقد بلغت به المحبة حداً لم يعد يرضيه معه سماع الكلمات من وراء حجاب، فبعد أن كلمه ربه في الوادي المقدس طوى، وبلغ ذروة القرب، غلبه الوجد فسأل ما لا تحتمله طاقة البشر في دار الفناء: “رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ”، وهذا الطلب يعكس نهم الروح لشهود جمال المحبوب، فجاءه الرد الذي يحدد حدود القوة البشرية: “لَن تَرَانِي”، وليس ذلك لعجز في الرؤية بل لقصور في الرائي، فالأبصار في الدنيا لا تدركه وهو يدرك الأبصار، ولتعليمه عظمة التجلّي، أمر الله موسى أن ينظر إلى الجبل، فلما تجلى ربه للجبل بجزء يسير من نوره، ساخ الجبل في الأرض وتلاشى صموده، وخر موسى مسبحاً تائباً من فرط الإقدام، مستقراً في مقام العبودية الخالصة التي تدرك أن الرؤية مقامٌ مؤجل لأهل الجنة، كما جاء في الأثر: “إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر”. وبالانتقال إلى نبي الله زكريا عليه السلام، نجد تساؤل العجز البشري أمام سنن الكون، فحين بـُشّر بيحيى وقد بلغ من الكبر عتياً وكانت امرأته عاقراً، لم ينكر الخبر بل سأل مستفهماً عن الطريق: “رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ”، وهذا السؤال هو استنطاق للموعظة وطلب للآية التي تسكن إليها نفسه وتدفع عنها تعجب الطبيعة البشرية، فجعل الله له آية ألا يكلم الناس ثلاث ليالٍ سوياً وهو سويّ، ليجتمع في قلبه عجز لسانه مع قدرة ربه. وفي قصة ذي النون يونس عليه السلام، نجد لحظة المغاضبة التي أدت به إلى ظلمات بطن الحوت، حيث كان التساؤل والضيق هنا ليس في الحق، بل في سعة الرحمة وهل تشمله وهو في ذاك المضيق الذي انقطعت فيه الأسباب الأرضية، فنادى في الظلمات: “أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ”، فكان هذا الاعتراف بالظلم البشري والتقصير هو مفتاح اليقين الذي أخرجه إلى شاطئ الأمان، ليؤكد أن النبي يظل مفتقراً لنور التثبيت الإلهي في كل حين. أما روح الله عيسى عليه السلام، فقد واجه إلحاح الحواريين في طلب المائدة، فخاف عليهم من فتنة المعاينة لأن من كفر بعد الآية لا يُرحم، ولكنه حين رأى صدق رغبتهم في قوله: “وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ”، دعا الله دعاء الوجل: “اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ”، فكان نزولها تثبيتاً لمن آمن وحجة على من طغى، حيث تلتقي الحاجة المادية بيقين المعجزة السماوية. وصولاً إلى المصطفى محمد ﷺ، الذي مر بلحظات عصيبة في بدء الوحي، حتى إنه خشي على نفسه من عظم ما رأى وقوة ما نزل عليه، فجاءه التثبيت من قول خديجة رضي الله عنها: “كلا والله لا يخزيك الله أبداً”، ومن ثم الوحي المتتابع الذي قال فيه ربه: “أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى”، وفي رحلة المعراج شق الله له صدره للمرة الثانية وملأه حكمة وإيماناً، ليرى من آيات ربه الكبرى ما يثبت فؤاده أمام تكذيب قريش، فكان “مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى”، وهذا الثبات المحمدي جاء بعد سلسلة من الاختبارات والمشاهدات التي جعلت قلبه ﷺ مستقراً في مقام “حق اليقين”. إن هذه السلسلة من المقامات تؤكد أن السؤال والطلب لم يكن إلا جسراً للعبور من ضيق الفهم البشري إلى سعة العلم الإلهي، وأن الأنبياء في طلبهم للرؤية والكيفية قد رسموا لنا معالم الطريق؛ فاليقين شجرة تسقى بالتدبر والمشاهدة، والضعف البشري أمام جلال الغيب هو كمال العبودية، لتظل هذه القصص منارات تستقر بها الأرواح الحائرة وتوقن أن وراء الأسباب مسبباً، ووراء الخلق خالقاً يحيي العظام وهي رميم، وأن الطمأنينة هي المنتهى الذي ترنو إليه كل نفس آمنت بالله رباً وبالغيب حقيقة لا ريب فيها، فسبحان من جعل في تساؤل أصفيائه حياة لقلوب التابعين.







