
لم يكن رحيل وليد الركراكي عن سدة قيادة أسود الأطلس مجرد تغيير فني عابر في كراسة الإدارة التقنية الوطنية، بل كان زلزالاً هز أركان المشهد الرياضي المغربي والعربي في توقيت شديد الحساسية، فأن يترجل “رأس لافوكا” عن صهوة جواده قبل أسابيع معدودة من انطلاق صافرة مونديال 2026، هو قرار يحمل في طياته الكثير من الشجاعة والكثير من علامات الاستفهام حول توقيت القفز من السفينة التي قادها بنجاح أسطوري في قطر قبل أن تتقاذفها أمواج التشكيك عقب الإخفاق القاري الأخير، هذا المدرب الذي استطاع في فترة وجيزة أن ينقل الكرة المغربية من خانة المشاركة المشرفة إلى مربع الكبار العالمي، وجد نفسه أمام حائط مسدود بعد خسارة نهائي كأس أمم أفريقيا 2025 أمام السنغال، وهي الهزيمة التي لم تكن مجرد ضياع لقب، بل كانت لحظة الحقيقة التي أدرك فيها الركراكي أن مخزونه من “النية” قد استُنزف، وأن اللاعبين بحاجة إلى صدمة نفسية تعيد لهم التوازن قبل الدخول في معترك المونديال، ومن هنا جاء قراره بالرحيل الذي وصفه في تصريحاته الأخيرة بأنه “تضحية من أجل مصلحة الوطن”، تاركاً خلفه إرثاً يصعب تكراره وضغطاً هائلاً على خليفته محمد وهبي الذي وجد نفسه مطالباً بالحفاظ على هيبة الأسود وسط أجواء مشحونة، لكن المثير في قصة الركراكي ليس فقط طريقة رحيله، بل سرعة بزوغ نجمه في سماء الدوري السعودي والمنتخب “الأخضر”، فبينما كان الجمهور المغربي يلملم جراح الوداع، كانت العاصمة الرياض تفتح أذرعها لاستقبال مهندس الملحمة المونديالية، حيث تشير آخر التقارير المؤكدة اليوم إلى أن المفاوضات بين الاتحاد السعودي والركراكي بلغت مراحلها النهائية بنسبة تتجاوز الثمانين بالمئة، ليكون البديل الاستراتيجي للفرنسي هيرفي رينارد الذي يواجه انتقادات لاذعة، هذا التحول الدراماتيكي في مسيرة وليد يضعه أمام تحدٍ فريد من نوعه، فأن يقود منتخباً عربياً كبيراً بحجم السعودية في مونديال 2026 بعد أن صنع مجد المغرب في 2022، هو رهان على قدرته على إعادة إنتاج سحره التدريبي في بيئة مختلفة تماماً، الركراكي الذي يحظى بدعم معنوي هائل من نجوم المنتخب المغربي الذين ودعوه بكلمات مؤثرة، يدرك أن عقارب الساعة لا ترحم، وأن مهمته القادمة مع الأخضر السعودي ستكون بمثابة اختبار حقيقي لقدرته على القيادة تحت الضغط العالي، فهل ينجح في كتابة تاريخ جديد بقميص أخضر، أم أن لعنة الرحيل المفاجئ ستطارده في رحلته الخليجية، الأيام القادمة كفيلة بكشف ملامح هذه المغامرة التي جعلت من وليد الركراكي الرقم الأصعب في معادلة الكرة العربية والعالمية حالياً.







