
دخل الاقتصاد العالمي في نفق مظلم منذ الرابع من مارس 2026، اللحظة التي أُعلن فيها إغلاق مضيق هرمز عقب اندلاع المواجهة العسكرية مع إيران، ليتحول هذا الممر المائي، الذي يعبره يومياً نحو 21 مليون برميل من النفط و20% من الغاز المسال العالمي، إلى قنبلة جيوسياسية موقوتة. لم يكن الإغلاق مجرد حادث عابر، بل صدمة عرض هي الأكبر في تاريخ أسواق الطاقة، حيث قفزت أسعار خام برنت لتتجاوز عتبة الـ 120 دولاراً للبرميل، وسط توقعات من مؤسسات دولية مثل “فيتش” بأن يصل المتوسط إلى 150 دولاراً في حال استمر الانسداد لستة أشهر، مما وضع النمو العالمي في مهب الريح مع خفض “موديز” توقعاتها للنمو إلى 2.5% فقط لعام 2026.
بالنسبة للولايات المتحدة، وعلى الرغم من تحقيقها استقلالاً نسبياً في مجال الطاقة، إلا أنها لم تكن بمنأى عن الحريق؛ فقد ارتفعت أسعار البنزين محلياً بنسبة 30% لتتخطى 4 دولارات للجالون بحلول نهاية مارس، مما دفع التضخم نحو مستويات 3%، مهدداً بتباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 2.3%. أما أوروبا، فتعيش اليوم “صدمة مزدوجة”؛ فبينما كانت تحاول التعافي من أزمات الطاقة السابقة، جاء توقف 20% من إمدادات الغاز المسال العالمية ليجبر البنك المركزي الأوروبي على مراجعة سياساته ورفع توقعات التضخم فوق 4%، مع خطر حقيقي بدخول القارة في حالة “ركود تضخمي” وانكماش في الناتج المحلي لمنطقة اليورو خلال الربع الثاني من عام 2026.
الصين، المحرك الصناعي الأكبر، وجدت نفسها في موقف حرج للغاية؛ فهي تعتمد مع شركائها في شرق آسيا على المضيق لتأمين 75% من احتياجاتها النفطية. ورغم لجوئها لمخزوناتها الاستراتيجية، إلا أن تعطل سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري بنسب قياسية أضاف ضغوطاً هائلة على قطاع التصنيع الصيني، مما يهدد بتعطيل صادراتها العالمية. وفي المقابل، تجد روسيا نفسها المستفيد الوحيد ظاهرياً من ارتفاع الأسعار، حيث تحاول توجيه فوائضها النفطية عبر الأنابيب البرية والمسارات القطبية لتعويض النقص العالمي، مستغلةً “علاوة المخاطر الجيوسياسية” التي أضافت ما بين 5 إلى 15 دولاراً على سعر كل برميل، مما يعزز ميزانيتها الحربية رغم العقوبات.
أما أفريقيا، فتدفع الثمن الأغلى إنسانياً واقتصادياً؛ حيث تسببت زيادة تكاليف الطاقة والشحن في موجة تضخم غذائي غير مسبوقة، نظراً لاعتماد الكثير من دول القارة على الاستيراد. ومع ارتفاع أسعار الأسمدة والوقود، تواجه الدول الأفريقية غير المنتجة للنفط أزمة ديون خانقة وعجزاً في موازينها التجارية، مما ينذر باضطرابات اجتماعية. إن الحل لهذه المعضلة الكونية لا يكمن في المسكنات العسكرية، بل في “استراتيجية الفك المزدوج”: أولاً، عبر تفعيل ممرات بديلة بشكل عاجل، كخطوط الأنابيب السعودية (شرق-غرب) والإماراتية (حبشان-الفجيرة) التي يمكنها استيعاب جزء من الضغط، وثانياً، بضرورة التوصل إلى تسوية سياسية شاملة تضمن حياد المضائق الدولية؛ فالاقتصاد العالمي اليوم لا يمكنه الصمود أمام “حرب استنزاف ملاحية” قد تكلف الناتج المحلي الإجمالي العالمي خسائر مباشرة تتجاوز 1.5 تريليون دولار قبل نهاية العام.







