
ظل الجوار الجغرافي بين الولايات المتحدة وكوبا بمثابة اللعنة والنعمة في آن واحد، حيث رسمت خطوط التاريخ فصولاً ممتدة من الصراع والعداء الجيوسياسي الذي لم يكن وليد اللحظة، بل نتاج تراكمات بدأت منذ القرن التاسع عشر وتجذرت خلال الحرب الباردة، وصولاً إلى التصعيد غير المسبوق في الحقبة الحالية. إن فهم سر هذا العداء التاريخي يتطلب العودة إلى الجذور الأولى، وتحديداً إلى زمن “مبدأ مونرو” عام 1823، عندما أعلنت واشنطن أن أمريكا اللاتينية هي منطقة نفوذ حيوية وخاصة بها، يمنع على القوى الأوروبية التدخل فيها. وفي هذا السياق، كانت كوبا، القابعة على بعد تسعين ميلاً فقط من سواحل فلوريدا، تُمثل درة التاج الكاريبي التي تطمح واشنطن لضمها أو السيطرة عليها لحماية أمنها القومي وتأمين طرقها التجارية. ومع اندلاع الحرب الأمريكية الإسبانية عام 1898، تدخلت الولايات المتحدة عسكرياً تحت ذريعة مساعدة الثوار الكوبيين لنيل استقلالهم من الاستعمار الإسباني، لكن هذا التدخل أسفر عن وصاية أمريكية مقننة عبر “تعديل بلات” الذي أُقحم في الدستور الكوبي، ومنح واشنطن الحق القانوني في التدخل العسكري في الشؤون الكوبية لحماية مصالحها، فضلاً عن اقتطاع قاعدة غوانتانامو البحرية. وعلى مدى العقود التالية، تحولت الجزيرة الكاريبية إلى مستعمرة اقتصادية وثقافية غير رسمية للولايات المتحدة، وعاش المجتمع الكوبي في ظل حكومات متعاقبة اتسمت بالفساد والتبعية المطلقة لواشنطن، وكان آخرها نظام الديكتاتور فولغينسيو باتيستا، الذي حظي بدعم أمريكي كامل رغم قمع نظامه، لتتحول كوبا في تلك الفترة إلى مرتع للكازينوهات والاستثمارات الاحتكارية الأمريكية، بينما عانى غالبية الشعب الكوبي من الفقر والتهميش.
جاءت نقطة التحول الجذري والزلزال الجيوسياسي الذي أسس للعداء المعاصر في عام 1959، عندما نجح فيدل كاسترو برفقة تشي غيفارا ومجموعة من الثوار في الإطاحة بنظام باتيستا وإعلان انتصار الثورة الكوبية. لم يكن العداء حتمياً في الشهور الأولى، لكن تبني كاسترو لسياسات الإصلاح الزراعي الجذري، وتأميم الشركات والممتلكات الأمريكية الضخمة في الجزيرة دون تعويضات ترضي واشنطن، أشعل فتيل المواجهة. ردت الولايات المتحدة بفرض عقوبات اقتصادية تدريجية وتقليص حصص استيراد السكر الكوبي، مما دفع كاسترو مرغماً وموجهاً بأيديولوجيته نحو الارتماء الكامل في أحضان الاتحاد السوفيتي، الخصم اللدود لواشنطن في ذروة الحرب الباردة. هنا تحول الخلاف الثنائي إلى تهديد وجودي للأمن القومي الأمريكي، حيث قطعت واشنطن علاقاتها الدبلوماسية مع هافانا في مطلع عام 1961، تلاها إجازة الرئيس جون كينيدي لعملية “خليج الخنازير” الفاشلة، وهي محاولة عسكرية قادتها وكالة المخابرات المركزية عبر تدريب وتسليح منفيين كوبيين لغزو الجزيرة والإطاحة بكاسترو. رسخ هذا الفشل العسكري قناعة كاسترو بأن بلاده مستهدفة بغزو أمريكي مباشر، مما قاده إلى إعلان الهوية الاشتراكية للثورة بشكل رسمي، والقبول بنشر صواريخ باليستية سوفيتية نووية على الأراضي الكوبية، وهو ما فجر “أزمة الصواريخ الكوبية” المرعبة في أكتوبر 1962، والتي وضعت البشرية على حافة حرب نووية مدمرة قبل أن تنتهي باتفاق يسحب بموجبه السوفيت صواريخهم مقابل تعهد أمريكي علني بعدم غزو كوبا، وتعهد سري بسحب الصواريخ الأمريكية من تركيا.
رغم انتهاء الأزمة النووية، كرست الولايات المتحدة سياسة الحصار الشامل والإقصاء، وفرض كينيدي الحظر الاقتصادي والمالي والتجاري الكامل على كوبا، وهو الحظر الذي استمر لعقود وتعمق عبر تشريعات صارمة مثل قانون “توريسيلي” عام 1992 وقانون “هيلمز-برتون” عام 1996، اللذين فرضا عقوبات عابرة للحدود على الشركات الأجنبية التي تتعامل مع كوبا، بهدف خنق النظام الكوبي اقتصادياً وعزله دولياً، خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي ودخول كوبا في أزمة اقتصادية طاحنة عُرفت بـ “الفترة الخاصة”. وطوال هذه العقود، كان سر العداء يكمن في رفض واشنطن لوجود نظام شيوعي يتحدى هيمنتها في نصف الكرة الغربي، مضافاً إليه الضغط السياسي الهائل الذي مارسته الجالية الكوبية النافذة في ولاية فلوريدا الأمريكية، والتي جعلت من استمرار التشدد ضد هافانا ورقة انتخابية حاسمة في مواسم الانتخابات الرئاسية. ورغم حدوث انفراجة تاريخية وجيزة ومفاجئة في عهد الرئيس باراك أوباما عام 2014، حيث أعلن عن إعادة العلاقات الدبلوماسية وتخفيف قيود السفر والتجارة بهدف تغيير النظام عبر القوة الناعمة والاندماج الاقتصادي، إلا أن هذا التقارب كان قصير الأجل ولم يغير من البنية العميقة للعداء التاريخي والمؤسسي بين البلدين.
مع صعود الرئيس دونالد ترامب، دخلت العلاقات الأمريكية الكوبية مرحلة جديدة من التوتر والضغط الفائق، حيث تبنت إدارته استراتيجية تفكيك إرث أوباما بالكامل وإعادة فرض أقصى درجات العقوبات، متبعة نهجاً يربط بوضوح بين الملف الكوبي والملفات الإقليمية والدولية الساخنة، لا سيما الملف الإيراني والفنزويلي. وفي حقبته السياسية الحالية، يتبلور ملمح جديد في السياسة الخارجية يتجلى في التهديد بالتركيز على كوبا ومهاجمتها سياسياً واقتصادياً وربما بوسائل أخرى بعد الانتهاء من حسم المواجهة مع إيران، وهو ما كشفت عنه تصريحاته الرسمية بوضوح. يرجع هذا التوجه الصارم إلى عدة أسباب استراتيجية وجيوسياسية متداخلة؛ أولها العقيدة السياسية للإدارة الأمريكية الحالية التي تقوم على تصفية بؤر النفوذ المعادية في الساحة الخلفية للولايات المتحدة وإعادة إحياء مبدأ مونرو بصيغة معاصرة، حيث تُصنف واشنطن النظام الكوبي باعتباره العقل المدبر والركيزة الأساسية لـ “محور الديكتاتوريات” في أمريكا اللاتينية. وقد تجسد هذا بوضوح عقب الإطاحة بنظام نيكولاس مادورو في فنزويلا، حيث سارعت واشنطن إلى قطع شريان النفط الفنزويلي المجاني والمدعوم الذي كان يمثل حبل النجاة الوحيد للاقتصاد الكوبي المتهالك، ووجه ترامب تحذيرات شديدة اللهجة لهافانا بضرورة إبرام صفقة بشروط واشنطن قبل فوات الأوان، معتبراً أن كوبا أصبحت “أمة فاشلة” تتهاوى من تلقاء نفسها وتعيش أيامها الأخيرة نتيجة الحصار النفطي المفصل الذي يمنع أي ناقلات من تزويدها بالطاقة.
يمتد التبرير الأمريكي لاستهداف كوبا مباشرة بعد إيران إلى قناعة استخباراتية وسياسية بأن هافانا تمثل حليفاً استراتيجياً وملاذاً آمناً للمجموعات المصنفة إرهابياً من قبل واشنطن مثل حماس وحزب الله، فضلاً عن دورها التاريخي والمستمر كمنصة متقدمة للنفوذ الروسي والصيني الإستراتيجي على مقربة من الحدود الأمريكية، مما يجعل من تفكيك النظام الكوبي ضرورة أمنية قصوى لضمان الهيمنة الأمريكية المطلقة في نصف الكرة الغربي. وتشير الخطوات التصعيدية الأخيرة إلى ترجمة فعلية لهذا التوجه، حيث وقع ترامب الأمر التنفيذي رقم 14404 الذي فرض عقوبات قطاعية وثانوية غير مسبوقة تستهدف قطاعات الطاقة والدفاع والخدمات المالية والمعادن في كوبا، وتلاحق المصارف والشركات الدولية التي تسهل المعاملات مع النظام الكوبي، تزامناً مع إعلان حالة الطوارئ الوطنية لمواجهة التهديدات الكوبية، وفرض رسوم جمركية عقابية على أي دولة تبيع النفط لهافانا. إن الرؤية الاستراتيجية الحالية لواشنطن تضع الحرب الدبلوماسية والاقتصادية ضد إيران كأولوية في الشرق الأوسط, يتبعها مباشرة تركيز كامل للآلة الدبلوماسية والاقتصادية والضغط القصوى نحو كوبا المستنزفة، لإجبارها على الاستسلام التام، أو إحداث تغيير جذري في نظامها الحاكم، لتطوى بذلك صفحة أطول صراع وعقدة أيديولوجية وجغرافية في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية الحديث.







