
لا يمكن تفكيك العقدة الإيرانية في المنطقة العربية دون قراءة العقيدة السياسية والعسكرية التي تحكم طهران منذ عام 1979، وهي عقيدة تقوم في جوهرها على مفهوم “تصدير الثورة” كأداة شرعية للتوسع وبناء النفوذ. هذا التوجه ليس مجرد مناورة دبلوماسية عابرة أو رد فعل على ضغوط خارجية، بل هو ركيزة أيديولوجية ثابتة ترى في الجغرافيا العربية مجالاً حيوياً لمد نفوذها الإقليمي، مستندة إلى إرث من الأدبيات السياسية التي تضمر عداءً تاريخياً وفكرياً ممتداً للهوية العربية الكلاسيكية. على مدى العقود الأربعة الماضية، ترجمت إيران هذا العداء عبر استراتيجية “الحروب بالوكالة”، مستغلةً الفراغات الأمنية والانقسامات الداخلية في بعض الدول العربية لبناء أذرع عسكرية موازية لمؤسسات الدولة الوطنية. هذا السلوك الإيراني المستمر في اختراق السيادات العربية ودعم المليشيات المسلحة لم يعد يهدد استقرار عواصم بعينها فحسب، بل بات يقوض منظومة الأمن القومي العربي برمتها، مهدداً ممرات التجارة العالمية والطاقة الإستراتيجية كالمضائق المائية الحيوية.
إن إيقاف هذا الهجوم الإيراني المتعدد الجبهات يتطلب تجاوز مقاربات التهدئة التقليدية، والانتقال نحو استراتيجية الردع الشامل والذكي التي تمزج بين الأدوات العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية. الخطوة الأولى تبدأ من الداخل العربي، عبر تفعيل حقيقي للمنظومة الأمنية والدفاعية المشتركة، وإنهاء الخلافات البينية التي تمنح طهران الثغرات اللازمة للتدخل. بالتوازي مع ذلك، تبرز الحاجة الملحّة لصياغة رؤية سياسية موحدة للتعامل مع القوى الدولية، تفرض شروطاً واضحة تربط أي علاقات تجارية أو تفاهمات سياسية بمدى احترام السيادة العربية ووقف التدخل في الشؤون الداخلية. كما يتطلب الردع حظر قنوات التمويل، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية في الدول المتضررة لقطع الطريق أمام أي اختراق مستقبلي، مع إظهار الحزم في مواجهة أي تهديد يمس الحدود أو المنشآت الحيوية للدول العربية.
وفي قلب هذه المواجهة الشاملة، تبرز ورقة اقتصادية بالغة الأهمية والخطورة لم تُستغل عربياً بالشكل الكافي بعد، وهي ملف الأصول والودائع الإيرانية الضخمة المحتجزة والموزعة لدى عدة دول إقليمية ودولية نتيجة للعقوبات. تشير التقديرات إلى أن حجم هذه الودائع والأموال المجمّدة في الخارج يتراوح بين 100 و120 مليار دولار، وتتواجد أجزاء حيوية منها في دول قريبة من المشهد العربي أو منخرطة في وساطاته كالعراق التي تحتفظ بنحو 6 مليارات دولار، وقطر التي تدير أصولاً بمليارات الدولارات كانت محور مساومات دولية، فضلاً عن دول مثل الصين والهند واليابان. تعيش طهران حالياً اختناقاً مالياً حاداً، وتراجعاً قياسياً لعملتها المحلية، ونقصاً حاداً في السيولة الدولارية يهدد استقرارها الداخلي ويفجر الاحتجاجات الشعبية في مدنها، وهو ما يجعل هذه الأموال بمثابة شريان الحياة الوحيد المتبقي للنظام الإيراني لضمان بقائه وإعادة تمويل أنشطته العسكرية وأذرعه الإقليمية.
تحويل هذه الودائع إلى أداة ضغط استراتيجية يتطلب تنسيقاً عربياً عالي المستوى مع الدول الحاضنة لهذه الأموال ومع القوى الدولية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة، لربط أي إفراج جزئي أو تسهيل للوصول إلى هذه التدفقات النقدية بتنازلات جيوسياسية إيرانية ملموسة على الأرض. يجب أن تصر العواصم العربية على أن تجميد أو تمرير أي حصة من هذه الودائع الإيرانية—سواء لتسوية صفقات معينة أو لشراء سلع أساسية—مشروط بجدول زمني واضح لتفكيك شبكات دعم المليشيات، ووقف تهريب السلاح، وإنهاء تهديد الملاحة البحرية. إن حرمان طهران من هذه الأموال، أو التلويح باستخدامها لتعويض الدول العربية المتضررة من الهجمات الإيرانية، سيضع صانع القرار في طهران أمام خيارين أحلاهما مر: إما الغرق في انهيار اقتصادي داخلي يهدد بنية النظام، أو القبول بإنهاء النفوذ الخارجي والتراجع خلف حدودها الرسمية. استعادة التوازن في الشرق الأوسط لن تتحقق بالانتظار أو الرهان على تغير سلوك النظام الإيراني تلقائياً، بل بفرض واقع سياسي واقتصادي وعسكري جديد يثبت لطهران أن كلفة الهجوم والتوسع باتت أكبر بكثير من قدرتها على الاحتمال.






