
لم يكن تجديد الثقة الملكية الغالية من لدن أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، في شخص الدكتور آمحمد عبد النباوي لولاية ثانية على رأس السلطة القضائية، مجرد تعيين عادي تمليه الإجراءات الدستورية، بل هو تزكية ملكية سامية تحمل دلالات عميقة، وشهادة استحقاق رفيعة تُمنح لقامة وطنية فذة جعلت من النزاهة والاستقامة منهجاً ثابتاً في مسيرتها المهنية؛ إذ يعكس هذا التعيين الجديد الحرص الملكي الشديد على صون حرمة القضاء، والتقدير الرفيع لسيرة مسؤول قضائي تمكن من المزاوجة بين صرامة القانون ورقة الوجدان الإنساني، فصار نموذجاً يُحتذى به في التجرد والترفع عن الصغائر، حيث أثبت الدكتور آمحمد عبد النباوي طوال مساره الممتد أنه حارس أمين على صرح الحق، وقاضٍ يزن الأمور بميزان العدل الدقيق، مستشعراً على الدوام ثقل الأمانة الوطنية ومستنداً إلى مبدأ الاستقامة النزيهة التي لا تتبدل بحسب الظروف والأحوال. وتتضاعف قيمة هذا التجديد بالنظر إلى الجسامة الاستثنائية للمنصب وثقل مسؤوليته الدستورية والتاريخية؛ فالرئاسة المنتدبة للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، المقترنة بالرئاسة الأولى لأعلى هرم قضائي في المملكة متمثلاً في محكمة النقض، ليست مجرد وجاهة أو تشريف، بل هي أمانة عظمى تتعلق بحماية الأمن القضائي للمواطنين، وصون استقلالية القضاء وتثبيت سيادة القانون، وتنزيل الرؤية الملكية السامية لإصلاح منظومة العدالة وتحديثها، وهي مسؤولية كبرى تتطلب حكمة بالغة وبصيرة نافذة للنهوض بأعبائها ومواجهة تحدياتها. غير أن التميز الحقيقي لشخصية هذا الهرم القضائي لا ينبع من كفاءته في تطبيق المساطر وفهم النصوص القانونية فحسب، بل يرجع إلى ذلك التمازج الفريد والمبدع في كينونته بين دقة القاضي الصارم وسعة أفق المثقف الموسوعي؛ فالرجل يحمل وعياً فكرياً عميقاً يجعل المقاربات القانونية تفيض بروح الإنصاف والبعد الإنساني، مما جعل من آرائه وإسهاماته مرجعاً معرفياً يتجاوز حدود المحاكم ليلج رحاب الفكر المعاصر. وفي غمرة هذه المسؤوليات الجسام ومكابدة إرساء دعائم سلطة قضائية مستقلة، لم يغب الأدب يوماً عن وجدانه، بل ظل الدكتور آمحمد عبد النباوي ذلك الشاعر الملهم الذي يطوع لغة الضاد برهافة بالغة، متخذاً من الثقافة والأدب فضاءً لتهذيب الوعي وترسيخ القيم الأخلاقية النبيلة. إن هذا الالتقاء النادر بين صرامة القضاء ونزاهته المطلقة من جهة، وفيوضات الفكر ورقة الوعي الأدبي من جهة أخرى، هو الذي منح شخصيته وقاراً مشوباً بالمحبة والتقدير، وجعل منه رجل المرحلة الحائز على الرضا المولوي الشريف؛ لتأتي الثقة الملكية المجددة تأكيداً بليغاً على أن قيادة مرافق العدالة الكبرى تقتضي قامات وطنية تجمع بين نظافة اليد، وعمق الفكر، ونبل المقصد، وهي الخصال الدقيقة التي تجسدت في الدكتور آمحمد عبد النباوي، مبرهناً في كل المحطات على أنه جندي مخلص للعرش العلوي المجيد، وخادم أمين لقضايا وطنه ومليكه بكل تجرد وتفانٍ وإخلاص.





