
مع أفول خمسينيات القرن العشرين ودخول عقد الستينيات، كانت المنطقة العربية تمور بأمواج عاتية من الحراك القومي، وصراعات النفوذ، والتحولات الجسيمة التي أعادت ترتيب موازين القوى في الشرق الأوسط. ولم يكن ساحل عمان المتصالح بمعزل عن هذه الرياح العاصفة؛ فالإمبراطورية البريطانية، التي بدأت قواها تضعف عالمياً بعد أزمة السويس عام 1956، كانت ترقب بقلق تصاعد الوعي السياسي وتدفق النفط بكميات تجارية في إمارة أبوظبي، حيث رصدت التقارير السرية للمعتمدين البريطانيين في دبي وأبوظبي بدء التصدير الفعلي من حقل “أم الشيف” البحري عام 1962، يليه حقل “مربان” البري. هذا التحول الاقتصادي الوشيك وضع هذه الأرض الطاهرة أمام استحقاقات تاريخية مصيرية، وباتت الحاجة ملحة لقيادة تمتلك بصيرة استشرافية قادرة على حماية الهوية العربية وسط هذه الأطماع الدولية المحيطة.
وفي قلب هذا المخاض السياسي والاقتصادي العسير، وفي الحادي عشر من مارس عام 1961 ميلادية، كانت واحة العين على موعد مع حدث سيصوغ مستقبلاً جديداً لحماية هذا التراب؛ إذ شهد قصر الحصن في تلك الواحة الظليلة ولادة الفارس، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان. جاءت ولادته في وقت كان والده الشيخ زايد بن سلطان يتولى فيه حكم العين والمنطقة الشرقية منذ عام 1946، حيث استقبل الفارس أنفاسه الأولى في بيئة شحيحة الموارد المادية لكنها غنية بالقيم والأنفة والسنع، وتنفس عبق التاريخ من مجالس والده التي كانت تضج بالشيوخ والفرسان والبدو، وتلقى دروسه الأولى بين كتاتيب الواحة ومدارسها التأسيسية الأولى التي شقها الشيخ زايد بيمينه لمحو أمية الصحراء بسلاح المعرفة والعلوم.
ولم تكد تمضي خمس سنوات على ولادة الفارس، حتى شهدت إمارة أبوظبي في السادس من أغسطس عام 1966 حدثاً مفصلياً غير مجرى التاريخ؛ إذ تولى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مقاليد الحكم في الإمارة، لينتقل بالكامل مع عائلته إلى العاصمة أبوظبي، وتبدأ ورشة إعمار لم تشهد لها الجزيرة العربية مثيلاً. انتقل الفارس الصغير، الذي كان حينها في الخامسة من عمره، ليعيش في قلب مركز القرار، يرقب بعين الطفل النبيه كيف كان والده يواصل الليل بالنهار لتأسيس الدوائر الحكومية والشرطة والجيش، ويخصص جزءاً كبيراً من ريع النفط لخدمة أشقائه في الإمارات الأخرى، مؤمناً بأن مصير هذه الأرض واحد. وفي هذه المرحلة، بدأت ملامح التربية الصارمة تشتد؛ حيث حرص الشيخ زايد على أن يخالط نجله عامة الشعب في المدارس النظامية، رافضاً أي مظاهر للترف لتنشئة قائد صلب يدرك عناء البشر قبل بريق السلطة.
وفي يناير من عام 1968، اهتزت أركان السياسة في الخليج العربي؛ فالإعلان المفاجئ للحكومة البريطانية العمالية برئاسة هارولد ويلسون عن عزمها الانسحاب العسكري الكامل من شرق السويس بحلول نهاية عام 1971، وضع المنطقة أمام خيار وجودي حاسم. هنا، تحرك الشيخ زايد سريعاً لجمع الشمل، وكان الثامن عشر من فبراير عام 1968 يوماً مشهوداً؛ حيث التقى بأخيه الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم تحت خيمة بدوية بسيطة في منطقة “السميح” الحدودية، وتأججت العزيمة بتوقيع اتفاقية الاتحاد الثنائي بين أبوظبي ودبي كبداية ونواة لكيان أكبر. ولم يقف الطموح عند هذا الحد، بل وجّه القائدان في التاسع عشر من فبراير دعوة رسمية إلى حكام الإمارات الخمس الأخرى، وحاكمي قطر والبحرين، لبحث قيام اتحاد موسع يحمي المنطقة.
استجابت الوفود سرياً وعلناً، وفي الخامس والعشرين من فبراير عام 1968، احتضنت دبي أول اجتماع للمجلس الأعلى لحكام الإمارات التسع، حيث جرى الاتفاق على توقيع اتفاقية دبي التي أسست لـ “اتحاد الإمارات العربية”، وتشكيل مجلس أعلى، ومجلس تنفيذي، وأمانة عامة. تداخلت في تلك الفترة التربية بالسياسة في وجدان الفارس الشاب، فبينما كان الشيخ محمد بن زايد يتلقى علومه ويشتد عوده، كان يشهد مجالس والده وهي تتحول إلى غرف عمليات سياسية لا تهدأ، ويرقب والده وهو يتنقل بين العواصم بصبر وأناة لتذليل العقبات.
إلا أن طريق الاتحاد التساعي لم يكن مفروشاً بالورود؛ فشهدت الاجتماعات اللاحقة في الدوحة والمنامة وأبوظبي بين عامي 1968 و1971 تجاذبات سياسية عسيرة وخلافات دستورية عميقة حول تحديد موقع العاصمة الدائمة، وتوزيع المقاعد والتمثيل في المجلس الوطني، وآلية التصويت في المجلس الأعلى. ومع تسارع التوقيت الحرج وتصلب المواقف، قررت البحرين في الرابع عشر من أغسطس عام 1971 إعلان استقلالها المنفرد كدولة سيادية، وتبعتها قطر في الثالث من سبتمبر من العام نفسه، ليتلاشى مشروع الاتحاد التساعي.
أمام هذا المنعطف التاريخي الخطير، تجلت عبقرية الشيخ زايد وأخيه الشيخ راشد؛ فلم ينكصا عن العهد ولم يدخلا في اليأس، بل سارعا في الثامن عشر من يوليو عام 1971 إلى الاجتماع في دبي مع حكام الشارقة، وعجمان، وأم القيوين، والفجيرة، لإقرار الدستور المؤقت للاتحاد السداسي، تاركين الباب مفتوحاً للأشقاء في رأس الخيمة.
وفي الثاني من ديسمبر عام 1971 م، حبس العالم أنفاسه وهو يرقب قصر الضيافة في دبي، حيث رُفع علم دولة الإمارات العربية المتحدة لأول مرة في السماء، وعُزف نشيدها الوطني، ليعلن قيام دولة فتية ولدت من رحم عاصفة الأطماع الجيوسياسية. كان الفارس الشاب، الشيخ محمد بن زايد، يرقب هذه الراية وهي تخفق في السماء بعد سنوات من الصبر العجيب والمعاناة، فانطبعت في وجدانه منذ تلك اللحظة حقيقة استراتيجية مطلقة: أن هذه المعجزة السياسية التي شُيدت بالبصيرة والدبلوماسية، لن يكتب لها البقاء والسيادة وسط عالم لا يرحم الضعفاء، ما لم ينهض جيل من الأحرار ليبني لها درعاً عسكرياً منضبطاً وسيفاً صقيلاً يحمي حماها ويصون أمانة الآباء.







