
في عالم كرة القدم الحديث، حيث تتحول الميادين إلى منصات لإبراز الهوية الوطنية، تكشف لنا زوايا الرؤية المتباينة بين المغرب والجزائر في تغطية أحداث المونديال الأخير عن فجوة حضارية وإعلامية عميقة لا يمكن تجاوزها بتبسيط الأمور. إن المتأمل في الخطاب الإعلامي الجزائري والنشاط المحموم على منصات التواصل الاجتماعي هناك، يجد نفسه أمام ظاهرة “التسييس القسري” للرياضة، حيث أضحى الوجود الكروي الجزائري، رغم خروجه المبكر من دور الـ32 أمام سويسرا بهدفين نظيفين، رهينةً لهوس لا يرى في الخصوم إلا المغرب، ولا يجد في الفوز إلا وسيلة لتصفية الحسابات السياسية عبر مؤازرة كل من يواجه “أسود الأطلس”؛ فهذا الخطاب العدائي لم يكن وليد اللحظة أو مجرد رد فعل عابر، بل كان حالة مستمرة ومتجذرة رافقت البطولة قبل انطلاقها، واستمرت بوتيرة محمومة في أوساطها، وظلت تطفو على السطح حتى بعد خروج المنتخب الجزائري، إذ لا يزال جزء من الإعلام وجمهور “السوشيال ميديا” هناك أسيراً لهذا النهج الذي يحاول تعويض الإخفاق الميداني بانتصارات وهمية في ساحة الكراهية الرقمية. وفي المقابل، قدم الإعلام المغربي درساً في الرصانة المهنية، مترفعاً عن الانزلاق إلى مستنقع الرد بالمثل، ومفضلاً التركيز على المتابعة الفنية والاحترافية التي تليق بمنتخب بحجم “المنتخب المغربي”، الذي أثبت علو كعبه بفوز تاريخي على المنتخب الهولندي عبر ركلات الترجيح؛ إذ لم يكن هذا الانتصار مجرد عبور إلى دور متقدم، بل كان تجسيداً لسياسة “الصمت المدوّي” التي ينهجها المغرب، حيث تظل الإنجازات هي المتحدث الرسمي باسم الوطن، بعيداً عن صخب المواقع التي تحاول جر الرياضة إلى نزاعات لا علاقة لها بشرف التنافس. إن هذا التباين ليس مجرد اختلاف في زوايا التغطية، بل هو انعكاس لاستراتيجيتين متناقضتين: إحداهما تبحث عن شرعية وجودها في “عداء الآخر”، والأخرى تبني شرعيتها على “صناعة التميز”، ليبقى الفارق بينهما هو الفرق بين إعلام يقتات على الأزمات، وإعلام وطني يدرك أن المجد الرياضي الحقيقي لا يُنتزع من خسارة الجيران، بل يُصنع بالعرق والاحتراف والتركيز على الهدف الأسمى.







