
مرة أخرى، يبرهن المغرب أن تنظيم التظاهرات الكبرى ليس فعل استضافة عابر، بل مشروع دولة يقوم على الرؤية، التخطيط، والاستثمار طويل الأمد في الإنسان والبنية التحتية. فبطولة كأس إفريقيا المقامة على الأراضي المغربية جاءت لتؤكد أن المملكة باتت تمتلك خبرة تنظيمية عالية، جعلت من هذه النسخة نموذجًا يُحتذى به قاريًا، بل ومرشحًا للمقارنة مع تظاهرات دولية كبرى.
غير أن هذا الإنجاز الميداني اللافت، الذي لمس تفاصيله اللاعبون، الوفود الرسمية، والجماهير الإفريقية، لم يحظَ بمواكبة إعلامية توازي قيمته، خاصة من طرف قناة beIN Sports المالكة لحقوق البث. فبدل أن تضطلع القناة بدورها التحريري الكامل في نقل التجربة المغربية بكل أبعادها، اكتفت بأداء تقني محدود، اختزل البطولة في مجرد مباريات واستوديوهات تحليلية مقتضبة.
التنظيم المغربي لم يكن مجرد ملاعب جاهزة أو توقيت مضبوط للمباريات، بل منظومة متكاملة شملت جودة الاستقبال، سلاسة التنقل، الأمن، الخدمات، وانخراطًا مجتمعيًا واسعًا عكس صورة بلد قادر على احتضان القارة الإفريقية بروح احتفالية ومسؤولية عالية. ومع ذلك، غابت البرامج المرافقة التي من شأنها إبراز هذا النجاح، وتسليط الضوء على المدن المستضيفة، البنية التحتية، والبعد الثقافي والحضاري للبلد المنظم.
كما أن المقاربة الإعلامية التي طغى عليها التركيز غير المتوازن على منتخبات بعينها، أضعفت من الطابع القاري الجامع للبطولة، وأفقدت المشاهد فرصة فهم الحدث في شموليته. ففي البطولات الكبرى، لا يقتصر دور الإعلام على نقل التسعين دقيقة، بل يمتد إلى بناء سردية متكاملة تُنصف الجهد التنظيمي وتُبرز القيمة الحقيقية للحدث.
لقد نجح المغرب في تقديم واحدة من أفضل النسخ تنظيمًا في تاريخ كأس إفريقيا، بفضل عمل مؤسساتي منسجم ورؤية واضحة جعلت من الرياضة رافعة للسمعة الدولية والدبلوماسية الناعمة. غير أن هذا النجاح، للأسف، اصطدم بتغطية إعلامية لم ترقَ إلى مستوى الإنجاز، ما يطرح سؤالًا مهنيًا مشروعًا حول دور القنوات الكبرى ومسؤوليتها في نقل الحقيقة كاملة، لا مجتزأة.
في المحصلة، أثبت المغرب على أرض الواقع أن أفضل تنظيم لكأس إفريقيا ممكن حين تتوفر الرؤية والإرادة، لكنه في المقابل كشف محدودية مقاربة إعلامية اختارت الاكتفاء بالبث، بدل الارتقاء إلى مستوى الحدث. إن تقزيم الإنجاز المغربي من طرف beIN Sports لا ينتقص من قيمة ما تحقق، بقدر ما يسلّط الضوء على خلل في الأداء التحريري، ويؤكد أن الكاميرا وحدها لا تصنع إعلامًا مهنيًا. فحين يُختزل حدث قاري بهذا الحجم في مجرد نقل مباريات، يُظلم التنظيم، ويُختزل التاريخ، وتُفقد الجماهير حقها في رؤية الصورة كاملة.
لقد تابع العالم بأسره مباريات كأس إفريقيا المقامة بالمغرب، ولم يكن التركيز منصبًا فقط على النتائج داخل المستطيل الأخضر، بل على النجاح التنظيمي الباهر الذي حظي بإشادة المتابعين ووسائل الإعلام من مختلف أنحاء العالم. وقد شهد الجمهور الدولي، من إفريقيا والعالم العربي وأوروبا، على أن المغرب يمتلك قدرات هائلة وكفاءات بشرية وتقنية عالية تؤهله لتنظيم كبرى البطولات والمنافسات الدولية وفق أرقى المعايير. كما حجّت جماهير غفيرة إلى المدن المغربية، إلى جانب حضور شخصيات رياضية معروفة ولاعبين كبار وشخصيات عامة، حرصوا على متابعة أغلب المباريات عن قرب، في ملاعب حديثة صُنّفت ضمن أفضل الملاعب القارية والدولية. كل ذلك أكد أن المغرب لم ينجح فقط في تنظيم بطولة قارية، بل قدّم رسالة واضحة مفادها أن المملكة باتت رقماً صعباً في خارطة التنظيم الرياضي العالمي.











