
يُشكل سد وادي المخازن، الذي دشنه الملك الراحل الحسن الثاني عام 1979، الركيزة الأساسية للأمن المائي في حوض اللوكوس. وفي ظل تصاعد بعض المخاوف والإشاعات حول سلامة هذه المنشأة الضخمة، نضع بين أيديكم هذا التحليل المعمق الذي يستند إلى المعايير الهندسية للهيدروليكا والواقع الميداني، لتفنيد المغالطات وتوضيح ما يحدث فعلياً خلف كواليس التدبير التقني.
1. الهندسة الإنشائية: لماذا يُعتبر سد وادي المخازن “حصناً” منيعاً؟
عندما تم تدشين السد في عام 1979، لم يُبنَ ليكون مجرد جدار إسمنتي، بل صُمم وفق نظام “السدود الركامية ذات اللب الطيني” (Embankment Dam). هذا النوع تحديداً اختير ليتناسب مع جيولوجيا منطقة القصر الكبير والعرائش لعدة أسباب تقنية:
المرونة الزلزالية: على عكس السدود الخرسانية الصلبة التي قد تتصدع بفعل الهزات، فإن السدود الركامية تمتلك قدرة على “التموج” وامتصاص الصدمات الزلزالية دون فقدان سلامتها الهيكلية. فالسد عبارة عن جبل اصطناعي مدروس، كتلته الهائلة تمنحه استقراراً ذاتياً لا يتأثر بالهزات الأرضية الخفيفة أو المتوسطة التي قد تشهدها المنطقة بين الحين والآخر.
نظام التراص الطبيعي: بمرور العقود، يزداد جسم السد تماسكاً بفعل ضغط كتلته والترسبات، مما يجعله أكثر متانة مما كان عليه وقت التدشين.
2. أسطورة “التصدع” مقابل واقع “التنفيس التقني”
ما يراه البعض أو يروج له كـ”تصدعات” أو “أعطال” هو في الحقيقة نتاج سوء فهم لعمليات تقنية دورية وضرورية:
تصريف الأوحال (Vanne de Fond): سد وادي المخازن، كغيره من السدود المتقادمة، يواجه تحدي التوحل. عندما يمتلئ السد، يمارس الماء ضغطاً هائلاً في القعر؛ وهنا تتدخل الإدارة بفتح “الصمامات القعرية” لطرد الترسبات الطينية. خروج مياه عكرة وقوية جداً من أسفل السد قد يظنه غير المختص “انفجاراً” أو “تسرباً”، بينما هو في الواقع عملية “غسيل” ضرورية للحفاظ على سعة التخزين وحماية التوربينات.
المفيض (Spillway) وعملية التحكم في المنسوب: حين تفوق نسبة الملء 90%، يرتفع منسوب المياه ليصل إلى “مفيض السد”. تدفق المياه من هذا الممر هو إجراء أمان تلقائي لمنع المياه من تجاوز قمة السد (Overtopping)، وهو السيناريو الوحيد الذي قد يمثل خطراً. لذا، فمشهد تدفق المياه هو دليل على أن السد “يتنفس” ويعمل بكفاءة هيدروليكية كاملة.
3. معضلة المصب: حين تحالف البحر والرياح ضد وادي اللوكوس
بالإضافة إلى التدفقات الهائلة الصادرة عن السد، واجهت المنطقة ظاهرة طبيعية مركبة ومعقدة أدت إلى تفاقم الوضع الميداني؛ حيث أن وادي اللوكوس، الذي يُعد الشريان الرئيسي لتصريف هذه المياه نحو المحيط الأطلسي، عجز عن أداء مهمته بسبب “حصار طبيعي” عند المصب. فقد تزامنت التساقطات المطرية الاستثنائية مع هيجان قوي للبحر ورياح عاتية، مما خلق أمواجاً ضخمة شكلت “حاجزاً مائياً” صلباً منع مياه الوادي من النفاذ إلى البحر. هذا “الاصطدام” بين قوة دفع الوادي وقوة صد البحر أدى إلى ارتداد المياه وتراكمها بسرعة تفوق كل التوقعات، مما تسبب في فيضانات واسعة النطاق لم تكن المنشآت قادرة على احتوائها هيدروليكياً. هذا الوضع الحرج هو ما استدعى التدخل العاجل للسلطات لتنفيذ أكبر عملية إخلاء شهدتها المنطقة، شملت أحياء واسعة من المدينة والمناطق المتاخمة للوادي، حمايةً للأرواح أمام قوة قاهرة جمعت بين فائض السد وحصار المحيط.
4. مفارقة “الوفرة المائية” والفيضان المخطط له
لقد شهد هذا الموسم تساقطات مطرية فاقت كل التوقعات والخطط الاستباقية، مما وضع السد أمام حالة “الامتلاء التام”. هنا يجب توضيح نقطة جوهرية للساكنة:
لماذا يرتفع منسوب الوادي في المنطقة؟ السلطات ليست أمام خيار تخزين كل قطرة ماء، بل هي ملزمة بتصريف جزء من الفائض بشكل تدريجي ومتحكم فيه (Lâchers d’eau). هذا التصريف هو الذي يؤدي لارتفاع منسوب المياه في المجاري المحيطة وفي سافلة الوادي بالمنطقة.
الهدف الوقائي: هذا الفيضان “المتحكم فيه” هو الثمن الذي ندفعه لتجنب فيضان “كارثي” وغير محكوم قد يحدث لو تركنا السد يمتلئ دون تصريف استباقي. فالسيطرة على تدفق المياه عبر البوابات هي التي تحمي مدينة القصر الكبير والمناطق المجاورة من خطر الفيضانات الفجائية.
5. المراقبة التكنولوجية: السد تحت المجهر
لا يعتمد أمان سد وادي المخازن على الملاحظة بالعين المجردة فقط، بل هو منشأة “ذكية” بامتياز:
البيزومترات (Piezometers): حساسات داخلية تقيس ضغط الماء داخل جسم السد بدقة مجهرية.
نقاط الرصد الطبوغرافي: أجهزة ليزرية تراقب أي تحرك أو ميلان في الجدران بكسور المليمتر.
التفتيش الدوري: لجان وطنية متخصصة تزور الموقع بانتظام، والتقارير الأخيرة لم ترصد أي خلل يمس سلامة السد الهيكلية.
إن سد وادي المخازن بخير، وهو في ذروة عطائه المائي. الإشاعات المنتشرة هي مجرد انعكاس لمخاوف طبيعية أمام مشاهد تدفق المياه القوية، لكن الحقيقة العلمية تؤكد أن المنشأة تقوم بوظفتها الحمائية على أكمل وجه. إن ارتفاع المنسوب المائي في المنطقة هو “إدارة للوفرة” وليس “دليلاً على الخلل”. السد صمام أمان، وما يحدث اليوم هو تطبيق حرفي لبروتوكولات الأمان العالمية في التعامل مع الحمولة الزائدة، مضافاً إليها تحديات طبيعية استثنائية عند مصب اللوكوس تطلبت قرارات شجاعة لحماية المواطنين.







