
في حدثٍ فلكيٍ نادرٍ وصفه العلماء بأنه “زيارة من مجرة أخرى”، أعلنت وكالة الفضاء الأمريكية ناسا عن رصد جسم غريب قادم من خارج النظام الشمسي يحمل الاسم الرمزي 3I/ATLAS، وهو ثالث جرمٍ بين نجمي يُكتشف في التاريخ بعد “أومواموا” و”بوريسوف”.
وفي 29 أكتوبر 2025، بلغ هذا الكائن الغامض أقرب نقطة له من الشمس، فيما كان علماء الأرض يتسابقون لفهم طبيعته ومصدره الحقيقي.
من أين جاء هذا الزائر؟
بحسب البيانات الرسمية الصادرة عن وكالة ناسا والمراصد الفلكية في تشيلي وهاواي، فقد تم رصد الجسم لأول مرة في يونيو 2025 عبر تلسكوب ATLAS المخصص لمراقبة الأجسام القريبة من الأرض.
وبعد أسابيع من التحليل، تأكد العلماء أنه لا يتبع مدارًا شمسيًا كبقية الكواكب والمذنبات، بل دخل من الفضاء بين النجوم بسرعة تفوق 60 كيلومترًا في الثانية، في مسارٍ مائلٍ يخترق النظام الشمسي قبل أن يخرج منه مجددًا نحو المجهول.
المفاجأة كانت أن الجسم — رغم مظهره القريب من المذنب — أظهر خصائص فيزيائية وكيميائية غريبة:
غازات لم تُرصد من قبل، ومعادن نادرة مثل النيكل بنسبة مرتفعة، إضافة إلى انبعاثات ضوئية غير مألوفة في المذنبات العادية.
الذروة يوم 30 أكتوبر
في 30 أكتوبر 2025، وصل 3I/ATLAS إلى أقرب نقطة من الشمس (الحضيض)، وهي لحظة الذروة في رحلته القصيرة داخل نظامنا الشمسي.
ورصدت التلسكوبات الفضائية زيادة مفاجئة في نشاطه، حيث ظهر له ذيل طويل لامع من الغازات والأيونات، وبدأ في إطلاق إشعاعات قوية من الهيدروكسيل — وهي علامة على وجود ماء متجمّد يتحلل تحت حرارة الشمس.
وبينما احتفل بعض المراصد في الهند وأمريكا بمراقبة الحدث، حذّر علماء في جامعة هارفارد من أن شكل الجسم وسرعته قد لا يشيران إلى جرم طبيعي تمامًا، بل ربما إلى جسمٍ صناعيٍ أو مكوّنٍ من مواد غير مألوفة في النظام الشمسي.
لكنّ ناسا نفت لاحقًا هذه التكهنات، مؤكدة أن جميع الأدلة الحالية تشير إلى أصلٍ طبيعي، رغم “غرابة سلوكه”.
نافذة على ما وراء النظام الشمسي
يعتبر هذا الاكتشاف فرصةً علمية نادرة لدراسة مواد من أنظمة نجمية أخرى.
فالجسم الذي قطع ملايين الكيلومترات عبر الفضاء ربما يحمل في بنيته تركيبات من غبارٍ نجميٍ أو جليدٍ كوني يعود إلى ولادة مجراتٍ بعيدة.
ومن خلال تحليل الضوء المنعكس عنه، يأمل العلماء أن يعرفوا المزيد عن طبيعة الكواكب التي تقع في مدارات نجومٍ غير شمسنا.
يقول الباحث في ناسا الدكتور ستيفان دي لورنتيس:
“كلّ زائر من خارج النظام الشمسي هو رسالةٌ من مجرةٍ بعيدة. قد تكون هذه الأجسام شظايا من عوالمٍ ماتت أو ولدت قبلنا بمليارات السنين.”
الجدل الذي رافق الحدث لم يقتصر على العلماء.
فقد أشعل ظهور الجسم النقاش بين محبّي الفضاء والمتابعين حول العالم، خاصة بعد تصريح الفيزيائي آفي لوب من جامعة هارفارد الذي قال إن الجسم قد يحمل بصمة تكنولوجية، مشيرًا إلى أن سرعته المستقلة وعدم تفككه أمام الشمس يثيران الريبة.
لكن أغلب وكالات الفضاء أكدت أن تلك الفرضيات “غير مثبتة”، مشددة على أن 3I/ATLAS يمثل “مذنبًا نشطًا غير مألوف” وليس أكثر.
ومع ذلك، فإن فكرة “الزائر الغامض” عادت لتثير الخيال الشعبي تمامًا كما حدث عند مرور “أومواموا” عام 2017، حين ظنّ البعض أنه مركبة استطلاع من حضارة بعيدة.
الآن، بينما يغادر الجسم مدار الشمس متجهًا إلى أطراف النظام الشمسي، يسابق العلماء الزمن لتحليل ما جمعوه من صور وأطياف وأشعة.
فكل معلومةٍ عن 3I/ATLAS قد تفتح بابًا لفهم جديد عن أصلنا وموقعنا في هذا الكون الشاسع.
وتخطط بعض المراصد الأوروبية لإطلاق مشروعٍ مستقبلي لملاحقة أجسام مماثلة، في إطار ما يُعرف ببرنامج “الاستطلاع بين النجمي”.
وراء الضجيج العلمي والإعلامي، يذكّر هذا الحدث البشر بحقيقةٍ بسيطة ومهيبة:
نحن لسنا سوى نقطة صغيرة في بحرٍ كونيٍ لا متناهٍ، وما نعتبره “فضاءنا القريب” قد يكون محطة عبور لكائناتٍ وأجسامٍ لا نعرف عنها شيئًا بعد.
كما كتب أحد علماء ناسا:
“حين يمرّ جسم من مجرةٍ أخرى بجوارنا، فهو لا يزورنا نحن، بل يذكّرنا بأننا جزء من الكون، لا مركزه.”
يبقى 3I/ATLAS واحدًا من أكثر الاكتشافات غموضًا في العقد الأخير، فهو لا يحمل تهديدًا للأرض، لكنه يحمل سؤالًا أكبر:
هل نحن وحدنا في هذا الكون، أم أن الفضاء ما زال يخفي زوّارًا لا ندركهم إلا عندما يمرّون في صمت؟
في يوم 30 أكتوبر 2025، رفع الإنسان عينيه نحو السماء، ليرى جسماً يعبرها من عالمٍ آخر…
وربما كان ذلك تذكيرًا بأنّ الدهشة ما زالت أعظم محركٍ للمعرفة.











