
يظل اسم عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي، المعروف بـ “أبي جهل”، علامة فارقة في تاريخ الصراع بين الحق والباطل. لم يكن مجرد معارضٍ عابر، بل كان العقل الاستراتيجي والمحرك الأول لكل المؤامرات التي حيكت ضد الدعوة الإسلامية في مكة، حتى استحق بجداره لقب “فرعون هذه الأمة” الذي أطلقه عليه النبي ﷺ.
أولاً: النسب والنشأة والمكانة
هو عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي. ولد في بيت شرف وثراء، فقبيلة بني مخزوم كانت تنافس بني هاشم على زعامة مكة.
كان يُلقب في الجاهلية بـ “أبي الحكم” لرجاحة عقله وفصاحته، وكان يُسمح له بدخول “دار الندوة” (برلمان قريش) وهو في سن الثلاثين، تقديراً لمكانته السياسية، بينما كان الحد الأدنى للدخول هو سن الأربعين.
ثانياً: الدافع وراء العداء (الحسد القبلي)
رغم ذكائه، إلا أن الكبر والحسد أعماه عن اتباع الحق. يعترف أبو جهل في جلسة خاصة مع الأخنس بن شريق بصدق النبي ﷺ قائلاً: “والله إن محمداً لصادق، ولكن إذا ذهبت بنو قصي (بنو هاشم) باللواء والسقاية والنبوة، فماذا يبقى لسائر قريش؟”. لقد كان عداؤه صراعاً على “المكانة الاجتماعية” وليس ناتجاً عن شك في الرسالة.
ثالثاً: سجل الجرائم والغطرسة
اتسمت شخصية أبي جهل بدموية مفرطة، ومن أبرز مواقفه:
أول قاتل في الإسلام: هو من طعن الصحابية سمية بنت خياط رضي الله عنها فاستشهدت، لتكون أول شهيدة في الإسلام.
تعذيب المستضعفين: كان يترصد لكل من أسلم؛ فإن كان تاجراً هدد بكساد تجارته، وإن كان ضعيفاً ضربه وعذبه.
محاولة الاغتيال الجسدي: هو صاحب فكرة جمع شاب من كل قبيلة لقتل النبي ﷺ ليلة الهجرة ليتفرق دمه بين القبائل.
تحدي المعجزات: كان يستهزئ بالوحي، وهو الذي نزل فيه قوله تعالى: “أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰ” حين هدد بوطء عنق النبي ﷺ وهو يصلي عند الكعبة، فارتد ذليلاً حين رأى خندقاً من نار وأجنحة ملائكة تحول بينه وبين مراده.
رابعاً: التناقض العجيب (المستمع الخفي)
رغم محاربته للقرآن وقوله للناس: “لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ”، إلا أن المصادر التاريخية (كابن هشام) تؤكد أنه كان يتسلل ليلاً مع أبي سفيان والوليد بن المغيرة ليسترق السمع لقراءة النبي ﷺ، لعجزهم النفسي عن مقاومة جمال الإعجاز القرآني.
خامساً: أبو جهل في ميزان الوحي والسنة
في القرآن: نزل فيه قوله تعالى: “سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ” وقوله: “ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ” (على سبيل التهكم بكبريائه).
في السنة: دعا النبي ﷺ قائلاً: “اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك: بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب”، فكانت العزة من نصيب عمر بن الخطاب (الذي هو في الأصل ابن أخت أبي جهل).
سادساً: النهاية الذليلة في غزوة بدر (2 هـ)
كان أبو جهل هو القائد الفعلي لجيش المشركين في بدر، وهو من أصر على الحرب رغم محاولة البعض الرجوع.
مصرعه: قتله غلامان من الأنصار (معاذ بن عمرو ومعاذ بن عفراء) دفاعاً عن النبي ﷺ.
إذلال الكبر: حين وجده عبد الله بن مسعود وهو يحتضر، وضع قدمه على صدره، فنظر إليه الطاغية باحتقار وقال: “لقد ارتقيت مرتقىً صعباً يا رويعي الغنم”. مات وهو يتحسر ليس على كفره، بل لأن من قتله هم “الفلاحون” (الأنصار) وأجهز عليه “راعي غنم” (ابن مسعود).
سابعاً: المفارقة التاريخية
من عجائب القدر أن يخرج من صلب هذا العدو اللدود بطل من أبطال الإسلام، وهو ابنه عكرمة بن أبي جهل، الذي أسلم يوم فتح مكة وحسن إسلامه واستشهد في معركة اليرموك مدافعاً عن الدين الذي قضى والده حياته في محاربته.







