
في عالم الطب، توجد حالات تقلب موازين الفهم البيولوجي المعتاد، ومن أندر هذه الحالات ما يُعرف بـ “نقص إنزيم 5-ألفا ريدوكتاز”، وهو اضطراب وراثي نادر جداً يصيب الرجال، ويؤثر بشكل مباشر على تحديد الملامح الجسدية للمولود ذكر الجينات، فهذه الحالة ليست مجرد اضطراب طبي، بل هي رحلة بيولوجية معقدة تبدأ من الرحم وتنفجر مفاجآتها عند سن البلوغ، حيث تحدث بسبب طفرة في جين يُدعى SRD5A2. ففي الحالة الطبيعية، يمتلك الرجل كروموسومات XY ويقوم الجسم بإنتاج هرمون التستوستيرون، لكن السر يكمن في إنزيم يسمى “5-ألفا المختزل” ومهمته تحويل التستوستيرون إلى هرمون أقوى يُدعى “ديهايدروتستوستيرون” (DHT)، وهو المسؤول الوحيد عن تشكيل الأعضاء التناسلية الذكرية الخارجية للجنين، وعند غياب هذا الإنزيم، يولد الطفل بجينات ذكرية وخصيتين داخليتين ولكن بملامح جسدية خارجية تبدو أنثوية تماماً، مما يجعل الأهل يربون الطفل كأنثى في سنواته الأولى، وهي الظاهرة التي اشتهرت في قرية “لاس ساليناس” بجمهورية الدومينيكان باسم “Guevedoces” أو “الذكر عند سن الثانية عشرة”.
وتعتبر هذه القرية مختبراً طبيعياً حيث يصاب واحد من كل تسعين ذكراً بهذه الحالة نتيجة العزلة الجغرافية وتكرار زواج الأقارب، مما جعل “التحول” ظاهرة مألوفة اجتماعياً، فعند وصول الطفل الذي رُبي كفتاة إلى سن البلوغ، تتدفق كميات هائلة من هرمون التستوستيرون الخام في الجسم لتعوض غياب الإنزيم المفقود، فتبدأ العضلات بالنمو ويخششن الصوت وتبرز الأعضاء الذكرية المختبئة ليتحول الشخص جسدياً ونفسياً إلى رجل، وهو تحول يفرز نتائج طبية مذهلة، فالمصانون بهذه الحالة لا ينمو لهم شعر وجه كثيف ولا يصابون بالصلع الوراثي أبداً لأن الهرمون المفقود (DHT) هو المسؤول عن قتل بصيلات شعر الرأس، وهي الملاحظة التي قادت العلماء لابتكار أدوية شهيرة لعلاج تساقط الشعر وتضخم البروستاتا.
ولا تتوقف عجائب الأمراض النادرة عند هذا الحد، بل تمتد لتشمل “متلازمة الرجل المستمر بالقنوات المولرية” حيث يمتلك الرجل أعضاء ذكرية كاملة لكن يُكتشف وجود رحم وأنابيب فالوب داخله نتيجة فشل الهرمون المضاد لمولر، أو متلازمة “كلينفلتر” التي يتميز المصاب بها بكروموسوم زائد XXY مما يؤدي لطول فارع وتأثيرات على الخصوبة، ومع ذلك تبقى حالة “غيفودوس” هي الأكثر إثارة للجدل النفسي، حيث أثبتت الدراسات أن معظم المصابين تأقلموا تماماً مع هويتهم الذكرية فور بلوغهم، مما أثبت للعلم أن “هرمونات الدماغ” التي أُفرزت في الرحم كانت أقوى من سنوات التربية كأنثى، لتبقى هذه الحالات شاهداً على تعقيد الجسد البشري ونافذة مكنت العلماء من فهم نظام الهرمونات وكيفية تصميم الجسد بدقة متناهية، مذكرة إيانا بأن العلم لا يزال يكتشف كل يوم أسراراً جديدة في خبايا الجينات البشرية.







