
تعدُّ سيرة الصحابي الجليل جليبيب رضي الله عنه من أسمى النماذج الإنسانية التي خلدها التاريخ الإسلامي لبيان قيم العدالة النبوية وتحطيم تراتبية الجاهلية، فهو ذلك الرجل الأنصاري الذي عاش في ظلال النبوة مغموراً بين الناس، لم يرفعه نسبٌ رفيع ولا مالٌ وفير ولا هيئةٌ حسنة، بل كان كما تصفه أمهات الكتب كـ “الإصابة” و”أسد الغابة” دميماً في خلقه، فقيراً في حاله، حتى إن اسمه “جليبيب” جاء على صيغة التصغير، ولعل ذلك كان لقباً غلب عليه لضآلة جسمه أو قصر ثيابه، وكان يُعد من جملة “أهل الصفة” الذين اتخذوا من المسجد مأوى لفقرهم وانقطاعهم.
وعلى الرغم من هذا التهميش الاجتماعي، كان جليبيب يحتل مكانةً سامية في قلب النبي ﷺ، الذي أراد أن يرسخ مفهوماً جديداً للكرامة الإنسانية، فذهب بنفسه لخطبة ابنة رجل من الأنصار لتكون زوجةً لجليبيب، وفي هذا المشهد تجلت عظمة الامتثال؛ فبينما تردد الأبوان لعدم كفاءة جليبيب الاجتماعية في نظرهما، خرجت الفتاة الصالحة من خدرها لتعلن فقهها العميق قائلة: “أتودون على رسول الله أمره؟ ادفعوني إليه فإنه لن يضيعني”، مستشهدةً بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. فدعا لها النبي ﷺ بأن يصب الله عليها الخير صباً، فصارت ببركة هذا الدعاء من أغنى نساء الأنصار وأكثرهن جوداً بعد أن بارك الله زواجهما.
ولم يكد جليبيب يهنأ بزواجه حتى نادى منادي الجهاد، فخرج مجاهداً يبتغي ما عند الله، وفي غمرة المعركة لم يمنعه ضعفه الظاهري من أن يظهر بأساً شديداً، فقاتل حتى قتل سبعة من المشركين قبل أن يُستشهد. وبعد انقضاء القتال، ضرب النبي ﷺ أروع الأمثلة في الوفاء، حين سأل أصحابه مرتين: “هل تفقدون من أحد؟”، فذكروا المشاهير والأقارب، لكنه ﷺ قال بقلبٍ ملهوف: “لكني أفقد جليبيباً، فاطلبوه في القتلى”. وعندما وجدوه، وقف عليه النبي ﷺ ملياً وهو يقول بمحبةٍ وفخر: “قتل سبعة ثم قتلوه؟ هذا مني وأنا منه”، وكررها ثلاثاً، في شهادةٍ نبوية أزلية ترفع ذكره في الملكوت الأعلى، ثم حمله النبي ﷺ على ساعديه الشريفتين بنفسه، ولم يكن له نعشٌ سوى ذراعي رسول الله ﷺ حتى ووري في قبره، ليرحل عن الدنيا وهو الذي كان مجهولاً في الأرض، معروفاً في السماء.







