في قاعات المتاحف الأوروبية، وبين آلاف القطع الأثرية التي فُكّت أسرارها ووُضّحت وظائفها، تظل قطعة صغيرة الحجم، غريبة الشكل، صامتة أمام كل محاولات الفهم. إنها الدوديكاهيدرون الروماني، أحد أكثر الألغاز الأثرية توثيقاً وإرباكاً في تاريخ الحضارة القديمة، قطعة حقيقية لا خلاف على وجودها، لكن الخلاف كلّه يدور حول معناها ووظيفتها.
الدوديكاهيدرون هو مجسّم برونزي يتكوّن من 12 وجهاً خماسي الشكل، في كل وجه ثقب دائري يختلف قطره عن الآخر، مع نتوءات كروية صغيرة في الزوايا. عُثر على أكثر من 120 قطعة أصلية منه حتى اليوم، تعود جميعها إلى الفترة ما بين القرنين الثاني والرابع الميلاديين، أي في أوج توسّع الإمبراطورية الرومانية.
والغريب أن هذه القطع لم تُكتشف في روما أو إيطاليا، قلب الإمبراطورية، بل وُجدت حصراً تقريباً في الأقاليم الحدودية الشمالية: فرنسا، ألمانيا، بريطانيا، بلجيكا وسويسرا. هذا التوزيع الجغرافي غير المتوازن أثار تساؤلات عميقة لدى الباحثين، ودفع بعضهم إلى الاعتقاد بأن الأداة كانت مرتبطة بالمناطق العسكرية أو الحدودية، وربما بوظائف لا يُراد تعميمها داخل المركز الإمبراطوري.
الأكثر غرابة أن ولا مصدر روماني واحد—لا مخطوطة، ولا نقش، ولا دليل هندسي أو عسكري—ذكر الدوديكاهيدرون أو شرح وظيفته، رغم أن الرومان كانوا مشهورين بدقة توثيقهم لكل أدواتهم، من الأسلحة إلى أدوات البناء والزراعة. هذا الصمت التاريخي زاد من تعقيد اللغز، وجعل القطعة تُصنَّف رسمياً في المتاحف تحت وصف نادر: غرض غير معروف الوظيفة.
على مدى أكثر من قرن، طُرحت فرضيات عديدة، جميعها موثَّقة لكنها غير حاسمة. فمنهم من رأى فيه أداة هندسية أو عسكرية لقياس المسافات والزوايا، ومنهم من اعتبره أداة فلكية لتحديد مواعيد الزراعة والفصول، بينما ربطه آخرون بطقوس دينية أو رمزية كهنوتية. وظهرت فرضيات حديثة ترى أنه أداة لحياكة القفازات الصوفية، أو نموذج تعليمي هندسي متقدم. غير أن أياً من هذه التفسيرات لم يثبت علمياً، بسبب اختلاف أحجام الثقوب، وغياب أي آثار تآكل تدل على استعمال متكرر، وعدم وجود معيار صناعي موحّد بين القطع المكتشفة.
وقد زاد الغموض عمقاً حين لاحظ علماء الآثار أن بعض الدوديكاهيدرونات عُثر عليها داخل قبور، أو ضمن كنوز مدفونة بعناية، أو مرفقة بعملات وتمائم، ما فتح الباب أمام فرضيات طقوسية أو رمزية، مرتبطة بالحماية، أو بالزمن، أو بالعبور الروحي، دون وجود دليل قاطع يحسم الأمر.
من الناحية الهندسية، يلفت الانتباه أن شكل الدوديكاهيدرون يتطابق مع مجسّم رياضي معروف، وهو من الأشكال الأفلاطونية المرتبطة في الفلسفة اليونانية بالكون والسماء. هذا ما دفع بعض الباحثين إلى التساؤل: هل نحن أمام أداة تطبيقية استُلهمت من فكرة فلسفية تجريدية؟ أم رمز كوني تحوّل إلى مجسّم مادي فقد معناه بمرور الزمن؟
والمثير أكثر أن هذا الغرض لا يوجد له أي نظير معروف في الحضارات المعاصرة له، لا في الإغريقية، ولا المصرية، ولا الفارسية، ولا الصينية. وهو ما يجعل الدوديكاهيدرون ظاهرة رومانية خالصة، بلا امتداد حضاري واضح، وهو أمر نادر في علم الآثار، حيث غالباً ما تنتقل الأدوات والأفكار بين الحضارات.
اليوم، تُعرض هذه القطع في متاحف كبرى مثل المتحف البريطاني ومتحف اللوفر ومتاحف أوروبية متخصصة، ولا تزال تخضع لدراسات وتجارب حديثة، شملت إعادة تصنيعها واختبارها عملياً، لكن دون نتيجة حاسمة. فكل تجربة تفتح باباً جديداً من الأسئلة بدل أن تغلقه.
وبعد ألفي عام، يظل الدوديكاهيدرون الروماني شاهداً صامتاً على حقيقة مقلقة وجميلة في آن واحد: أن التاريخ لا يزال يخفي معارف ضاعت، أو وظائف لم تعد مفهومة، وأن أخطر الاكتشافات الأثرية ليست تلك التي نعرف تفسيرها، بل تلك التي نمتلكها بين أيدينا… ولا نفهمها.
إنه لغز موثَّق، لا ينتمي إلى الأسطورة، بل إلى الواقع الصلب، ويذكّرنا بأن الماضي لم يكشف بعد كل أوراقه، وأن بعض الأسرار اختارت أن تبقى بلا جواب.







