حوادثأخبار

ملحمة المياه بين انتعاشة السدود الكبرى ونكبة “القصر الكبير”

يواجه المغرب اليوم واحدة من أعقد اللحظات المناخية في تاريخه المعاصر؛ لحظة يختلط فيها زئير المياه المتدفقة في السدود بصرخات الاستغاثة في أحياء مدينة القصر الكبير. فبعد مرور أكثر من خمس سنوات من “الإجهاد المائي” الذي هدد أمن المملكة الغذائي، قلبت تساقطات شتاء 2025/2026 الموازين، لتتحول الأزمة من “بحث عن قطرة ماء” إلى “معركة لترويض الطوفان”.
​أولاً: المشهد المائي الوطني.. أرقام تكسر حاجز المستحيل
​تؤكد التقارير الواردة من مديرية التجهيزات المائية أن الحالة الهيدرولوجية للمملكة بلغت ذروتها اليوم، الأربعاء 4 فبراير. وبحسب لغة الأرقام، فقد حقق المغرب ما وصفه الخبراء بـ “المعجزة الزرقاء”:
​المخزون الإجمالي: بلغت الحقينة الإجمالية لـ 154 سداً كبيراً في المملكة ما يناهز 10 مليارات و350 مليون متر مكعب، بنسبة ملء إجمالية استقرت عند 61.2%، وهي قفزة عملاقة مقارنة بنسبة 27.7% المسجلة في نفس اليوم من العام الماضي.
​سد الوحدة (العملاق): أكبر سدود المملكة في حوض سبو، سجل دخول واردات مائية في 48 ساعة الأخيرة تعادل ما كان يستقبله في عام كامل خلال سنوات الجفاف. نسبة ملئه حالياً تتأرجح حول 85% بعد عمليات تصريف كبرى لتفادي تجاوز طاقته الاستيعابية القصوى.
​تأمين الشرب والري: بفضل هذه الواردات، أعلنت الحكومة رسمياً تأمين مياه الشرب لجميع المدن الكبرى (الدار البيضاء، الرباط، طنجة، ومراكش) لثلاث سنوات قادمة، مع تخصيص حصص مائية ضخمة للمدارات السقوية في الغرب والحوز وتادلة لإنقاذ الموسم الفلاحي.
​ثانياً: “القصر الكبير” في عين العاصفة.. تفاصيل النكبة
​بينما كانت خرائط السدود تكتسي باللون الأزرق، كانت مدينة القصر الكبير تكتسي بلون الطمي والدمار. إن موقع المدينة الجغرافي كـ “حوض تجميع” طبيعي جعلها الضحية الأولى لفيضانات وادي اللكوس التاريخية.
​سد “وادي المخازن” ولحظة الانفجار المائي
​يعتبر سد وادي المخازن صمام الأمان لمنطقة اللكوس، لكن الضغط الهائل للسيول المنحدرة من جبال الريف جعل السد يصل إلى طاقته القصوى. ولحماية هيكل السد من الانهيار، اضطر المهندسون لفتح صمامات التفريغ بمعدلات غير مسبوقة، مما أدى إلى جريان “طوفاني” لوادي اللكوس الذي اخترق الحواجز الترابية المحيطة بمدينة القصر الكبير.
​التقرير الميداني للإجلاء (الأحداث لغاية اليوم):
​الإجلاء القسري: بدأت السلطات المحلية، مدعومة بفرع الهلال الأحمر والوقاية المدنية، في إخلاء أحياء “شريعة”، “حي السلام”، و”حي الأندلس” منذ فجر اليوم. المياه لم تعد تتدفق من الشوارع فحسب، بل بدأت تنبع من بالوعات الصرف الصحي وتخترق أساسات المنازل.
​حصيلة النازحين: تشير التقديرات الميدانية إلى نزوح أكثر من 55 ألف مواطن من ديارهم. وقد تم تحويل القاعات الرياضية المغطاة والمساجد الكبرى والمؤسسات التعليمية في المناطق المرتفعة (طريق العرائش) إلى مراكز إيواء طارئة.
​تدخل “الأسود”: انتشرت وحدات القوات المسلحة الملكية (المنطقة الشمالية) بشاحناتها الضخمة وقواربها المطاطية لإنقاذ العالقين في “دوار أولاد حميد” والمناطق القروية التابعة لمدشر “سوق الطلبة”، حيث حاصرت المياه المئات فوق أسطح المنازل.
​انقطاع الشرايين: تعيش المدينة حالة شلل تام؛ حيث انقطعت الطريق الوطنية الرابطة بين القصر الكبير والعرائش، وتوقفت حركة القطارات بسبب غمر السكك الحديدية بالمياه والطمي، كما تم قطع التيار الكهربائي عن نصف أحياء المدينة تفادياً لوقوع صعقات كهربائية جماعية.
​ثالثاً: التحليل التقني لـ “الطرق السيارة للمماء”
​ما الذي منع تحول المغرب كاملاً إلى منطقة منكوبة؟ الجواب يكمن في “الطريق السيار المائي” الذي يربط حوض سبو بحوض أبي رقراق. هذا المشروع الاستراتيجي يقوم حالياً بنقل الفائض المائي من مناطق الشمال (التي تعاني من الفيضان) باتجاه سد سيدي محمد بن عبد الله بالرباط بمعدل يناهز 1.2 مليون متر مكعب يومياً. لولا هذا الربط، لكان الضغط على سدود الشمال قد أدى إلى انفجار مائي لا يمكن السيطرة عليه، ولتضاعفت الخسائر في منطقة الغرب.
​رابعاً: التحديات والمستقبل.. دروس “فبراير 2026”
​إن ما تعيشه القصر الكبير اليوم يطرح تساؤلات حارقة حول البنية التحتية:
​المنشآت الواقية: الحاجة ملحة لبناء سدود تلية (صغيرة) إضافية في أعالي حوض اللكوس لامتصاص الصدمات المائية الأولى.
​قنوات الصرف: كشفت الأزمة أن شبكة تصريف مياه الأمطار في القصر الكبير لم تكن مصممة لاستيعاب هذه الكميات المتطرفة.
​التغير المناخي: المغرب يواجه رسمياً ظواهر “التطرف المناخي”؛ فمن جفاف يحرق الزرع إلى فيضان يغرق الضرع، مما يتطلب استراتيجية وطنية جديدة لـ “إدارة الكوارث المائية”.
بينما يتطلع الفلاحون في سوس والحوز بابتهاج إلى السماء، ترنو عيون سكان القصر الكبير إلى قمم الجبال بخوف، بانتظار توقف الأمطار وانخفاض منسوب “اللكوس”. هي سنة استثنائية بكل المقاييس، وضعت المغرب على خارطة “الأمان المائي” ولكن بثمن إنساني واقتصادي باهظ في الشمال

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا