
لم يكن العلماء في تاريخ الأمة صوت صدام ولا دعاة توتير، بل كانوا ضمير المجتمع الحي، وبوصلته الأخلاقية، وحراسه على المعنى قبل أن يكونوا حراسًا على النص. لم يكن دورهم منازعة الحكم، بل تقويم السلوك، وبناء الإنسان، وتأطير المجتمع بالحكمة، حتى يظل متماسكًا في قيمه، واعيًا بمسؤوليته، بعيدًا عن الانحراف والانزلاق.
وفي المغرب، ظل هذا التوازن راسخًا عبر القرون، خصوصًا في ظل الدولة العلوية التي قامت على علاقة متينة بين العلماء والملوك، قوامها التقدير والتشاور والتكوين الديني الرصين. فالأمراء وولاة العهد لم يكونوا يُدفعون إلى المدارس الحديثة مباشرة، بل يبدؤون بحفظ القرآن الكريم، والتتلمذ على أيدي الفقهاء، والنهل من علوم الدين واللغة والسيرة، قبل الانتقال إلى بقية العلوم. ولذلك لم يكن لقب “أمير المؤمنين” مجرد توصيف رمزي، بل وظيفة شرعية قائمة على حماية الدين، ورعاية الشأن الديني، وضمان وحدة المرجعية، وحفظ التوازن الروحي للأمة.
وقد أنجبت المدرسة المغربية عبر تاريخها علماء أجلاء، جمعوا بين العلم العميق، والحكمة، والاستقامة، والتأثير الهادئ، فشكّلوا علامات مضيئة في مسار الإصلاح دون ضجيج. من أمثال: السنوسي الذي رسّخ العقيدة السنية بمنهج متزن،
ومحمد بن عبد السلام الناصري نموذج العالم المربي والمصلح،
وعبد الله كنون الذي جمع بين العلم والدفاع عن الهوية،
والمختار السوسي الذي حمل مشروعًا إصلاحيًا متكاملًا في الفكر والتاريخ والتربية.
وفي العصر الحديث، لا يزال المغرب يزخر بعلماء أكفاء أجلّاء راسخين في العلم والوسطية، أسهموا في التأطير الرسمي والأكاديمي والدعوي، غير أن صوتهم لا يصل إلى العامة كما ينبغي.
وفي التاريخ الإسلامي عمومًا، لم يكن العلماء عنصر اضطراب، بل كانوا في محطات كثيرة سندًا للحكم في النهوض، وعونًا على البناء، ودعامة للاستقرار القائم على العدل. فالعالم حين يؤدي وظيفته الحقيقية، لا يعارض لمجرد المعارضة، ولا يهادن على حساب الحق، بل يُرشّد القرار، ويُقوّم المسار، ويزرع المعنى في السلطة قبل العامة.
فهذا الإمام أبو حامد الغزالي أسهم بعلمه في ترشيد الحكم، وإعادة التوازن بين السياسة والأخلاق، وتثبيت المقاصد في تدبير الشأن العام، فكان علمه ركيزة إصلاح لا وقود صراع.
وفي الأندلس، شكّل ابن رشد الجد قاضيًا ومستشارًا نموذجيًا، جمع بين الفقه والعدل والسياسة، وأسهم في ضبط علاقة الحكم بالشرع بالحكمة لا بالصدام.
وفي المغرب، كان محمد بن ناصر الدرعي وذريته نموذجًا للعالم الذي أسهم في الاستقرار الاجتماعي وترسيخ الطمأنينة الدينية وربط الناس بالسلطة الشرعية بالتربية لا بالإكراه.
وفي العصر الحديث، ظل العلماء جزءًا من ورش الإصلاح الهادئ من خلال التعليم العتيق، وتأهيل الأئمة، وإعادة هيكلة الحقل الديني، وترسيخ إمارة المؤمنين كضامن لوحدة المذهب والعقيدة، ومواجهة التطرف بالفهم لا بالقمع، وبالعلم لا بالشعار.
أما اليوم، فالمشكلة ليست في غياب العلماء المغاربة، فهم موجودون، أكفاء، أجلاء، راسخون في العلم، معروفون بالوسطية والاتزان، لكن الإشكال الحقيقي هو أن صوتهم لا يصل إلى العامة كما يصل صوت التافهين. المنصات مفتوحة، لكن خوارزميات الانتشار لا تُكافئ العمق، بل تُكافئ الصخب. وهنا يحدث الخلل: لا لأن العلماء انسحبوا من الميدان، بل لأن الميدان تغيّرت قواعده.
ولو قُدّر لهؤلاء العلماء أن يُمنحوا المساحة التي تُمنح اليوم لصُنّاع التفاهة، ولو قُدّم خطابهم بلغة العصر، وبأدواته، وبإخراجه الجاذب، لطغى خطاب القيم على خطاب الرداءة، ولسُمِع صوت العقل أقوى من صوت الضجيج.
التفاهة لا تنتصر لأنها أقوى، بل لأنها لم تجد من ينافسها بنفس القوة الإعلامية، لا بنفس العمق العلمي. وحين يُترك التأطير فراغًا، يملؤه من لا يملك مشروعًا ولا رسالة.
إن الأمة اليوم لا تحتاج إلى صراعات، بقدر ما تحتاج إلى عودة قوية ومرئية للعلماء إلى واجهة الفضاء العام: لا بوصفهم موظفين للفتوى فقط، بل بوصفهم مربين للذوق العام، حراسًا للهوية، صناعًا للوعي، وموجهين للأخلاق المجتمعية.
وحين يعود العالم إلى صدارة التأثير، لا إلى هامش المشهد، سيتراجع ضجيج التفاهة تلقائيًا، لأن المجتمع لا يُصلَح بالمنع وحده، بل بإحياء القدوة، ولا يُنقّى بالصراخ، بل بعلوّ المعنى.
أما إلى أن يستعيد العقل مكانه الطبيعي، فستظل الشاشات مزدحمة…
لكن بين الزحام والقيمة مسافة شاسعة.







