منوعات

منظمة «إيتا» الباسكية: مسار العنف، السياسة، ونهاية التمرّد المسلح في أوروبا

شكّلت منظمة «إيتا» الباسكية، المعروفة اختصارًا باسم ETA، إحدى أطول وأعقد الحركات الانفصالية المسلحة في التاريخ الأوروبي الحديث، إذ امتد نشاطها لأكثر من خمسة عقود، بين العمل السياسي السري والكفاح المسلح، قبل أن تنتهي رسميًا سنة 2018، تاركة وراءها إرثًا ثقيلًا من الدم، الانقسام، والأسئلة المفتوحة حول جدوى العنف في زمن التحول الديمقراطي.
تأسست «إيتا» سنة 1959 في سياق سياسي خانق، خلال حكم الدكتاتور الإسباني فرانثيسكو فرانكو، الذي فرض سياسات صارمة هدفت إلى طمس الهوية الباسكية، ومنع لغتها وثقافتها. في هذا المناخ، ظهرت «إيتا» كحركة شبابية طلابية ذات طابع ثقافي وقومي، قبل أن تتطور سريعًا إلى تنظيم سياسي ثوري يربط بين القومية الباسكية والاشتراكية الراديكالية، رافعًا شعار «وطن الباسك والحرية».
مع نهاية ستينيات القرن الماضي، انتقلت المنظمة من العمل الثقافي والسياسي إلى العنف المسلح، معتبرة أن الكفاح المسلح هو السبيل الوحيد لتحقيق الاستقلال. وكانت أولى عمليات الاغتيال سنة 1968 نقطة تحول حاسمة، دخلت بعدها «إيتا» مرحلة طويلة من التفجيرات، الاغتيالات، الاختطافات، والهجمات المسلحة التي استهدفت مسؤولين حكوميين، رجال أمن، سياسيين، وقضاة، وأحيانًا مدنيين، وهو ما أدخل إسبانيا في واحدة من أكثر فترات العنف الداخلي تعقيدًا بعد الحرب الأهلية.
اعتمدت «إيتا» على بنية تنظيمية سرية قائمة على خلايا صغيرة مستقلة، ما صعّب على السلطات تفكيكها لسنوات طويلة. ولم يكن للتنظيم زعيم واحد بارز، بل قيادة جماعية سرية كانت تتحرك غالبًا من جنوب فرنسا، مستفيدة من الحدود المفتوحة نسبيًا في فترات معينة. غير أن هذا التنظيم المحكم لم يمنع الانقسامات الداخلية، إذ شهدت «إيتا» انشقاقات حادة في السبعينيات بين جناح دعا إلى الجمع بين السياسة والعمل المسلح، وآخر تمسك بالعنف الخالص، وهو ما أضعفها تدريجيًا من الداخل.
من الناحية المالية، اعتمدت المنظمة على ما أسمته «الضريبة الثورية»، والتي كانت في الواقع عمليات ابتزاز ممنهجة لرجال الأعمال، إضافة إلى الفديات الناتجة عن الاختطافات، وهو ما ولّد نفورًا متزايدًا داخل المجتمع الباسكي نفسه، الذي بدأ يرى في ممارسات «إيتا» تهديدًا مباشرًا للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، بدل كونها أداة تحرر قومي.
سياسيًا، ارتبط اسم «إيتا» بالجناح السياسي الانفصالي الراديكالي، خصوصًا حزب «باتاسونا»، الذي اعتبرته الدولة الإسبانية واجهة سياسية غير مباشرة للتنظيم، قبل أن يتم حظره بقرارات قضائية أثارت جدلًا واسعًا حول التوازن بين مكافحة الإرهاب وضمان الحريات السياسية. ومع إقرار الدستور الإسباني سنة 1978 ومنح إقليم الباسك حكمًا ذاتيًا واسع الصلاحيات، بدأت مبررات العمل المسلح تفقد قوتها، خاصة مع استمرار «إيتا» في نهج العنف رغم التغير الجذري في النظام السياسي.
خلال مسيرتها، كانت «إيتا» مسؤولة عن مقتل أكثر من 800 شخص، إضافة إلى آلاف الجرحى والمتضررين نفسيًا، وخلقت مناخ خوف دائم داخل إسبانيا، لا سيما في إقليم الباسك. ومع مطلع الألفية الثالثة، وبفعل التعاون الأمني الأوروبي، خاصة بعد هجمات 11 سبتمبر، جرى تصنيف «إيتا» منظمة إرهابية، وتم تجفيف مصادر تمويلها، وتفكيك شبكاتها، ما أدى إلى تراجعها بشكل واضح.
في عام 2011، أعلنت «إيتا» وقفًا نهائيًا ودائمًا لإطلاق النار، ثم سلّمت سلاحها سنة 2017، قبل أن تعلن حل نفسها رسميًا في مايو 2018. وفي خطوة غير مسبوقة، اعترفت المنظمة بمسؤوليتها الأخلاقية عن المعاناة التي تسببت فيها، وقدمت اعتذارًا جزئيًا للضحايا، غير أن هذا الاعتذار قوبل بانتقادات واسعة من جمعيات الضحايا التي اعتبرته متأخرًا وغير كافٍ.
اليوم، لم تعد «إيتا» موجودة كتنظيم، لكن أثرها لا يزال حاضرًا في الذاكرة الجماعية الإسبانية والباسكية، كنموذج صارخ لتحول الحركات القومية من المطالبة بالحقوق إلى العنف، ثم إلى الانهيار تحت ضغط السياسة والديمقراطية والمجتمع. وتُظهر تجربتها أن السلاح، مهما طال أمده، يفشل عندما يفقد حاضنته الشعبية، وأن الحلول السياسية، رغم بطئها، تظل أكثر استدامة من العنف في معالجة قضايا الهوية والانتماء.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري شبكةمحرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمي أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا