مال و أعمال

​القبضة الجبائية: “الاقتطاع من المنبع” ينهي زمن التهرب الضريبي بالمغرب

​دخلت المديرية العامة للضرائب عهداً جديداً من الحزم الضريبي لعام 2026، حيث انتقلت من سياسة “انتظار التصاريح” إلى “التحصيل الجبري المسبق”. هذا التحول لم يعد مجرد إجراء تقني، بل هو إعادة هيكلة شاملة للعلاقة بين الدولة والمال والأعمال، تهدف إلى تجفيف منابع السيولة غير المصرح بها والقضاء نهائياً على “الشركات الشبح”.
​أولاً: الحصار الضريبي على القيمة المضافة (TVA)
​أصبح “الزبون” (المقاولات الكبرى والمؤسسات العمومية) بمثابة “شرطي ضريبي” ملزم باقتطاع الضريبة من مورديه وتحويلها مباشرة للدولة:
​قاعدة الـ 100%: أي مورد لا يدلي بـ “شهادة الانتظام الجبائي”، يتم اقتطاع كامل قيمة الضريبة على القيمة المضافة (100%) من فواتيره قبل صرفها.
​قاعدة الـ 75%: في حال توفر الشهادة، يتم اقتطاع 75% من الضريبة من المنبع لضمان حقوق الخزينة.
​الجدول الزمني للسيطرة: * يوليو 2026: البدء بالعمالقة (الأبناك، التأمين، والمقاولات فوق 500 مليون درهم).
​2027-2028: النزول التدريجي ليشمل كافة الشركات التي يتجاوز رقم معاملاتها 200 مليون درهم.
​ثانياً: خنق التهرب في العقار وألعاب الحظ
​الضربة القاضية للكراء غير المصرح به: فرض اقتطاع 5% من المنبع على كل مبالغ الكراء المهني، مما يجبر الشركات على كشف هويات الملاك الحقيقيين.
​ضريبة “الحظ”: اقتطاع نهائي وبتر بنسبة 30% من أرباح ألعاب الرهان والقمار، بما في ذلك المنصات الرقمية، لتتحول الأرباح إلى موارد فورية للدولة.
​ثالثاً: المهن الحرة والمقاول الذاتي تحت المجهر
​الأتعاب المهنية: لم يعد المحامي أو الموثق أو المهندس يتسلم أتعابه كاملة عند التعامل مع القطاع العام؛ فالاقتطاع من المنبع أصبح رفيقاً لكل “شيك” حكومي.
​المقاول الذاتي: وضع حد لـ “التهرب المقنع” عبر اقتطاع 30% من الدخل في حالات التبعية الاقتصادية لزبون واحد، لضمان عدم ضياع حقوق الضمان الاجتماعي والضريبة على الدخل.
​رابعاً: الرقابة الرقمية والعقوبات الردعية
​الرصد اللحظي: عبر منظومة SIMPL الرقمية، تلتقي بيانات “الزبون الحازم” مع بيانات “المورد”، وأي تباين يطلق إنذاراً فورياً للمراقبة الميدانية.
​المسؤولية القاتلة: الشركة التي تتقاعس عن الاقتطاع من المنبع لمورديها تتحمل أداء الضريبة من مالها الخاص، مع حرمانها من امتياز خصم التكاليف المحاسبية، مما يجعل “التساهل” خسارة مالية مزدوجة.
​خامساً: زلزال “السيولة المالية”
​رغم قوة الإجراء في محاربة الفواتير الوهمية، إلا أنه أحدث زلزالاً في “خزينة المقاولات”، حيث فقدت الشركات سيولة مؤقتة كانت تعتمد عليها. الدولة ردت بتسريع وتيرة “الاسترجاع الضريبي” لضمان عدم اختناق المقاولات الممتثلة.
إن نظام الاقتطاع من المنبع هو “الرادار الضريبي” الذي لا يخطئ؛ فالدولة اليوم لا تنتظر من الممول أن يدفع، بل تأخذ حصتها قبل أن تصل الأموال إلى جيبه.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا