سياحة

وجدة… مدينة على تخوم التاريخ بروح مغربية لا تهدأ

ليست وجدة مدينة عابرة في الجغرافيا المغربية، بل حكاية ممتدة على تخوم الشرق، كتبت فصولها بين التاريخ والإنسان والمكان. إنها بوابة المغرب الشرقية، وذاكرة حضرية تشكلت عبر قرون من التفاعل الحضاري، فغدت مدينة لها نكهتها الخاصة، تجمع بين عمق الماضي وإيقاع الحاضر.
تأسست وجدة في القرن العاشر الميلادي، وسرعان ما تحولت إلى مركز تجاري وعلمي مهم بفضل موقعها الاستراتيجي على طرق القوافل. هذا الامتداد التاريخي ما يزال حياً في معالمها، خاصة في المدينة العتيقة بأسوارها وأزقتها الضيقة، حيث يقف باب سيدي عبد الوهاب شامخاً كأحد أبرز رموزها المعمارية، شاهداً على مراحل متعددة من تاريخ المدينة وتحوّلاتها. داخل هذه المدينة القديمة، تتجاور المساجد العتيقة والدور التقليدية والأسواق الشعبية، في مشهد يعكس تلاحم الذاكرة بالحياة اليومية.
وجدة لم تكن يوماً مدينة منغلقة، بل شكل موقعها الحدودي نافذة على محيط مغاربي أوسع، ما منحها شخصية منفتحة ووعياً سياسياً ووطنياً عميقاً. لعبت أدواراً مهمة في تاريخ المغرب الحديث، واحتضنت روح الحركة الوطنية، وظلت وفية للهوية المغربية في أحلك الفترات، وهو ما جعل الانتماء للوطن جزءاً راسخاً من وجدان ساكنتها.
ثقافياً، تُعد وجدة واحدة من أكثر المدن المغربية تميزاً، فهي عاصمة موسيقى الراي بالمغرب، ومنها انطلقت أصوات فنية صنعت إشعاع هذا اللون الموسيقي داخل البلاد وخارجها. كما عرفت المدينة حركية ثقافية متواصلة، من خلال المهرجانات الفنية، والمسرح، والشعر، والأنشطة الثقافية التي جعلت منها فضاءً للإبداع والتعبير الحر.
ويُعزّز هذا البعد الثقافي حضور جامعة محمد الأول، التي تمثل القلب الأكاديمي للجهة الشرقية، وتستقطب طلبة من مختلف مناطق المغرب. هذا الحضور الجامعي أضفى على المدينة طابعاً شبابياً، وأسهم في تنشيط النقاش الفكري والحياة الثقافية، وجعل من وجدة مدينة تجمع بين الحكمة المتوارثة وطموح الأجيال الجديدة.
على المستوى الحضري، شهدت وجدة خلال السنوات الأخيرة تحولات ملموسة، همّت تحديث البنية التحتية وتوسيع الفضاءات الخضراء والمرافق العمومية. ويبرز منتزه سيدي معافة كأحد أهم متنفساتها الطبيعية، حيث يجد السكان ملاذاً للهدوء والاسترخاء، في توازن لافت بين صخب المدينة وراحة الطبيعة.
اجتماعياً، تتميز وجدة بنسيج إنساني متماسك، تسوده قيم التضامن والبساطة وكرم الضيافة. ولهجتها المحلية، القريبة من لهجات الشرق المغاربي، ليست مجرد وسيلة تواصل، بل عنصر من عناصر الهوية الثقافية التي تمنح المدينة طابعها الإنساني الدافئ. أما المطبخ الوجدي، فيعكس بدوره هذا الغنى، بأطباق تجمع بين الأصالة المغربية والتأثيرات الشرقية، وتحضر بقوة في المناسبات العائلية والدينية.
رياضياً، تحتل كرة القدم مكانة خاصة في قلوب الوجديين، ويظل فريق المولودية الوجدية رمزاً رياضياً وتاريخياً، يعكس ارتباط المدينة بالرياضة والجمهور الوفي.
وجدة، في عمقها، مدينة الإمكانات الصامتة. قد تبدو هادئة مقارنة بمدن كبرى، لكنها تحمل في تفاصيلها قوة كامنة، وفي تاريخها رصيداً، وفي إنسانها طاقة على الصبر والتجدد. إنها مدينة لا ترفع صوتها عالياً، لكنها تترك أثراً عميقاً، مدينة على الحدود… لكنها في قلب المغرب

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا