لم يعد خبر اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مجرد تطور قضائي أو أمني عابر، بل تحوّل سريعاً إلى زلزال سياسي دولي أعاد فتح أسئلة كبرى حول السيادة، وشرعية التدخل، وحدود القوة في نظام عالمي يتجه أكثر فأكثر نحو الاستقطاب. فالعملية التي أعلنتها الولايات المتحدة وقدّمتها بوصفها “تنفيذاً للعدالة” في حق رئيس تتهمه بالضلوع في شبكات مخدرات وفساد عابر للحدود، قوبلت برفض قاطع من روسيا والصين وحلفاء كاراكاس، وتحفّظ أوروبي حذر، ما جعل فنزويلا فجأة في قلب مواجهة تتجاوز حدودها بكثير.
واشنطن، من جهتها، حرصت على نقل المعركة من الحقل السياسي إلى ساحة القضاء الفيدرالي، عبر إحالة مادورو إلى المحاكم الأمريكية، في خطوة تحمل رسالة واضحة مفادها أن الولايات المتحدة لم تعد تكتفي بسياسة العقوبات والعزل الدبلوماسي، بل باتت مستعدة لاستخدام أدوات أكثر هجومية ضد خصومها في نصف الكرة الغربي. هذا التحول يعكس قناعة داخل الإدارة الأمريكية بأن بقاء مادورو لم يعد مجرد مشكلة داخلية فنزويلية، بل عقدة استراتيجية تمس ملفات النفط، والهجرة، والنفوذ الروسي-الصيني في أمريكا اللاتينية.
في المقابل، جاء رد روسيا سريعاً وحاداً، إذ اعتبرت ما جرى انتهاكاً صارخاً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وسابقة خطيرة قد تُستخدم مستقبلاً لتبرير اعتقال قادة دول لا ينسجمون مع الإرادة الأمريكية. موسكو لا تدافع عن مادورو كشخص فقط، بل تدافع عن مبدأ تعتبره خطاً أحمر: رفض تغيير الأنظمة بالقوة خارج إطار الشرعية الدولية. فالسماح بتمرير هذه الخطوة يعني، من وجهة نظرها، فتح الباب أمام عالم تحكمه القوة لا القانون، وهو ما يتعارض مع سرديتها حول نظام دولي متعدد الأقطاب.
أما الصين، فاختارت لغة أقل حدّة لكنها لا تقل وضوحاً في المضمون. بكين شددت على ضرورة احترام القانون الدولي وعدم استخدام القوة أو “الاختطاف العابر للحدود” كأداة سياسية، معتبرة أن ما جرى يهدد الاستقرار العالمي. الموقف الصيني ينبع من هواجس أعمق: حماية استثماراتها الضخمة في فنزويلا، وضمان عدم ترسيخ سابقة قد تُستخدم ضد حلفائها أو ضدها مستقبلاً، في ظل تصاعد التوتر مع واشنطن.
داخلياً، سعت مؤسسات الدولة الفنزويلية إلى احتواء الصدمة بسرعة، عبر تكليف ديلسي رودريغيز بمهام رئاسية مؤقتة، في محاولة للحفاظ على استمرارية الدولة ومنع الفراغ. غير أن هذا الإجراء، في نظر مراقبين، لا يحسم معضلة الشرعية بقدر ما يؤجلها، إذ يبقى السؤال الجوهري معلقاً: هل نحن أمام انتقال سياسي حقيقي، أم مجرد مرحلة انتظار قبل انفجار داخلي أكبر؟
أوروبياً، بدا الموقف أكثر تعقيداً. الاتحاد الأوروبي، الذي لا يعترف أصلاً بشرعية مادورو السياسية، وجد نفسه أمام معادلة صعبة: رفض النظام الفنزويلي من جهة، وعدم القبول بسابقة اعتقال رئيس دولة خارج أي تفويض أممي من جهة أخرى. لذلك جاء الخطاب الأوروبي مزدوجاً، يجمع بين الدعوة إلى التهدئة واحترام القانون الدولي، والتشديد على ضرورة انتقال سلمي للسلطة، بعيداً عن منطق القوة.
لكن خلف كل هذه المواقف المعلنة، يبرز عامل لا يُقال صراحة: النفط. فنزويلا تملك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، وفي زمن الحرب الأوكرانية واضطراب أسواق الطاقة، يصبح مستقبل هذا الاحتياطي مسألة استراتيجية بامتياز. كثير من المحللين يرون أن تحييد مادورو قد يفتح الباب أمام إعادة هندسة المشهد النفطي الفنزويلي، بما يخدم مصالح الغرب، ولو تحت غطاء “العدالة” أو “الانتقال الديمقراطي”.
إلى جانب ذلك، لا يمكن فصل اعتقال مادورو عن الحسابات الداخلية الأمريكية، خاصة ملف الهجرة الفنزويلية الذي يشكل ضغطاً متزايداً على الإدارة الأمريكية، وعن السياق الانتخابي الذي يجعل أي تحرك حازم ضد “أنظمة معادية” مادة سياسية داخلية مغرية.
في المحصلة، لم يعد السؤال اليوم هو مصير نيكولاس مادورو وحده، بل مصير مبدأ السيادة نفسه في عالم متشقق. فبين محكمة في نيويورك، وتحذيرات موسكو وبكين، وتحفظ بروكسل، تقف فنزويلا عند تقاطع طرق تاريخي: إما أن يتحول اعتقال رئيسها إلى بداية تسوية سياسية منظمة، أو أن يكون شرارة فوضى جديدة تؤكد أن النظام الدولي يدخل مرحلة أكثر قسوة، حيث تُحسم الخلافات بالقوة بقدر ما تُحسم بالقانون.
إنها لحظة تختبر الجميع: واشنطن في قدرتها على إدارة ما بعد الضربة، وروسيا والصين في قدرتيهما على حماية حلفائهما، وأوروبا في دفاعها عن القانون الدولي، وفنزويلا نفسها في قدرتها على تفادي الانهيار. وما سيلي اعتقال مادورو قد يكون أهم بكثير من الاعتقال نفسه







