تعليم

البكالوريا المغربية منعطف مصير يصنع ملامح المستقبل

تحمل امتحانات البكالوريا في المغرب طابعاً استثنائياً يتجاوز مجرد تقييم مدرسي عابر، لتتحول إلى حدث وطني واجتماعي يمس كل بيت ويهز مشاعر الأسر والطلاب على حد سواء. ومع حلول شهر يونيو من كل عام، تعيش المدن والقرى المغربية على إيقاع مغاير تماماً؛ حيث تكتسي الأجواء بملامح الجدية والترقب، ويصبح الحديث العام متمحوراً حول المراجعة، والتوقعات، ودرجات صعوبة الاختبارات. تبدأ هذه الرحلة قبل أشهر من الموعد المحدد، حيث يدخل التلاميذ في معسكرات استنفار منزلي ومؤسساتي، تتوزع فيها ساعات اليوم بين حفظ القوانين العلمية، وتحليل النصوص الفلسفية، ومراجعة الأحداث التاريخية، وسط طقوس عائلية تحرص على توفير الهدوء والدعم النفسي والمادي لأبنائها باعتبار هذا الاختبار بوابة العبور الحقيقية نحو التعليم العالي والآفاق المهنية.
​تتجلى تفاصيل الأيام الحاسمة في تلك الحركية غير المعتادة التي تشهدها الشوارع في الصباح الباكر، حيث يتدفق مئات الآلاف من المترشحين والمترشحات نحو مراكز الامتحان، تلاحقهم دعوات الأمهات والآباء الذين يصطفون أمام أبواب الثانويات في مشهد تضامني مهيب، يتقاسمون فيه القلق والرجاء. وفي داخل قاعات الامتحان، تسود أجواء من الصمت المطلق والتركيز الشديد، تقطعها تحركات المراقبين وأصوات تقليب الأوراق، حيث يواجه كل تلميذ عصارة سنوات تحصيله الدراسي في مواضيع وطنية موحدة تتطلب يقظة ذهنية عالية وقدرة على تدبير الوقت والضغط النفسي.
​وتؤكد البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة هذا الحجم الاستثنائي للحدث؛ ففي الدورة العادية للامتحان الوطني الموحد، ناهز عدد الحاضرين لاجتياز الاختبارات 443 ألفاً و769 مترشحة ومترشحاً، مسجلين نسبة حضور لافتة بلغت 96.9% في صفوف التلاميذ الممدرسين. ولم تخلُ هذه الأجواء من أحداث ميدانية واكبتها الأجهزة الإدارية والأمنية بحزم كبير لضمان تكافؤ الفرص؛ إذ أسفرت العمليات المشتركة بين مصالح الأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني عن توقيف 118 شخصاً على الصعيد الوطني – من بينهم سيدات وقاصرون – لتورطهم في أعمال مرتبطة بالغش وتسريب ونشر الأسئلة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وضبط معدات اتصال لاسلكية وسماعات دقيقة وبطاريات وهواتف محمولة كانت موجهة لتسهيل هذه العمليات.
​وفي سياق هذه الإجراءات الحمائية والزجرية، كشفت التقارير الوزارية عن رصد وضبط 2769 حالة غش موثقة بمحاضر رسمية خلال الدورة العادية، وهو الرقم الذي عكس رغم حجمه تراجعاً بنسبة 12% مقارنة بالدورات السابقة، نتيجة تعزيز آليات المراقبة واستعمال التقنيات الحديثة للكشف عن الوسائط الإلكترونية. وتتأرجح تعبيرات وجوه التلاميذ بعد نهاية كل حصة بين الارتياح العارم والدموع والصدمة من بعض الأسئلة المعقدة، مثل الشكاوى التي رافقت أوراق اختبار مادة المحاسبة (الكونطابيليتي) التي امتدت أحياناً لتشمل وثائق عديدة تطلبت جهداً استثنائياً، ليعودوا سريعاً إلى الاستعداد للمادة الموالية.
​تستمر هذه الدينامية المكثفة عبر لجان التصحيح التي تشتغل بمسؤولية كبيرة لتقييم مئات الآلاف من الدفاتر في حوالي 310 مراكز تصحيح بمشاركة ما يقارب 43 ألف أستاذ وأستاذة، وصولاً إلى اللحظة الأكثر إثارة وهي ليلة الإعلان عن النتائج عبر بوابات “تعليم.ما”. في تلك الليلة، تسمر العائلات أمام الشاشات والهواتف، وما إن تظهر النتيجة حتى تنطلق الزغاريد وتشتعل الشوارع بأصوات منبهات السيارات احتفالاً بالناجحين، بينما تخيم أجواء من الصمت والتحفيز على من لم يسعفهم الحظ، مستعدين لخوض فرصة ثانية في الدورة الاستدراكية، لتبقى البكالوريا المغربية دائماً محطة إنسانية واجتماعية كبرى تختزل قيم الصبر، والطموح، والتكافل الأسري.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا