منوعات

تاريخ الكولوسيوم الروماني وأسرار عمارته الخالدة

الكولوسيوم، المعروف تاريخياً باسم مدرج فلافيو أو المدرج الفلافي، أحد أعظم إنجازات الهندسة المعمارية الرومانية وأكثر معالم العالم القديم شهرة وخلوداً، حيث يتربع بشموخه في قلب العاصمة الإيطالية روما شرق المنتدى الروماني. تعود جذور بناء هذا الصرح العملاق إلى عصور الأباطرة الفلافيين، إذ بدأ تشييده في عهد الإمبراطور فسباسيان بين عامي سبعين واثنين وسبعين ميلادية، وجرى تمويل هذا المشروع الضخم وموارده المالية الطائلة من خلال الغنائم والسبايا المستلبة إثر نجاح الحملات الرومانية وحصار القدس وسقوطها، بينما تم استعباد وإشغال أعداد هائلة من الأسرى وخصوصاً اليهود في أعمال البناء الشاقة والمهام اليدوية الكبرى إلى جانب الحرفيين الرومانيين المهرة. ولم يشهد فسباسيان اكتمال تحفته المعمارية إذ وافاته المنية، ليتولى ابنه وخليفته الإمبراطور تيطس افتتاح المدرج رسمياً في عام ثمانين ميلادية من خلال تنظيم احتفالات ضخمة وألعاب غير مسبوقة استمرت لمئة يوم متواصلة وشهدت مصرع آلاف الحيوانات المفترسة والآدميين، في حين استكمل شقيقه الأصغر الإمبراطور دوميتيان اللمسات الأخيرة والإضافات الهامة على البناء بين عامي واحد وثمانين وستة وتسعين ميلادية، وشملت تلك الإضافات الطابق الرابع العلوي وشبكة الأنفاق السفليّة المعقدة.
​تحمل فكرة بناء الكولوسيوم أبعاداً سياسية ورمزية عميقة تجاوزت مجرد توفير منصة ترفيهية للجماهير، فقد شُيد على أنقاض البحيرة الاصطناعية الفخمة التي كانت جزءاً من قصر الإمبراطور نيرون المعروف بالبيت الذهبي، وهو ما حمل دلالة رمزية واضحة ومقصودة تتمثل في إعادة مساحات شاسعة كانت مخصصة للترف والأبهة الإمبراطورية الخاصة لتصبح ملكاً عاماً لعامة الشعب الروماني، مما ساهم في ترسيخ شرعية السلالة الفلافية وتهدئة النفوس عقب اضطرابات عام الأباطرة الأربعة والفوضى السياسية التي سبقته. صُمم المدرج على شكل إهليجي أو بيضاوي فريد يبلغ طوله مئة وتسعة وثمانين متراً وعرضه مئة وستة وخمسين متراً وارتفاعه يوازي أربعة طوابق, واعتمد المهندسون الرومان على تكنولوجيا مبتكرة ومواد متينة شملت الحجر الجيري الترافرتين في الواجهات الخارجية والصخور البركانية التوف والصابورة الخرسانية الرومانية الصلبة التي ضمنت استقرار البناء وصلابته على مر العصور. وقد تميز البناء بنظام معماري وتراتبي دقيق ينعكس على نظام الجلوس الذي قُسم وفقاً للطبقات الاجتماعية، حيث جلس الأباطرة وأعضاء مجلس الشيوخ في المقاعد الأمامية الأقرب للحلبة، بينما تدرجت الطبقات صعوداً وصولاً إلى الطوابق العلوية المخصصة للنساء والفقراء والعبيد، وكانت الحلبة الرئيسية مغطاة بألواح خشبية سميكة تفترشها الرمال لامتصاص دماء المصارعين، وتخفي تحتها شبكة هائلة ومعقدة تُعرف بالهيبوجيوم تتكون من أنفاق وغرف ومصاعد ميكانيكية تستخدم لإدخال الحيوانات المفترسة والمصارعين إلى الحلبة بصورة مفاجئة ومبهرة.
​شهد الكولوسيوم على مدار قرون طويلة طيفاً واسعاً من الفعاليات والعروض الدموية والجماهيرية التي مثلت ركيزة أساسية في الثقافة الرومانية القديمة, من ضمنها مباريات المصارعين العنيفة ومصارعة الوحوش البرية المستلبة من شتى أرجاء الإمبراطورية ومعارك بحرية وهمية جرى غمر حلبة المدرج بالمياه لتنفيذها في مراحله المبكرة، فضلاً عن عمليات الإعدام العلنية، واستمر هذا الصرح في أداء دوره الترفيهي والسياسي لنحو خمسمائة عام حتى تراجع نفوذ الإمبراطورية الرومانية وحظر الألعاب الدموية في القرون الميلادية اللاحقة. ومع انهيار الإمبراطورية، تعرض الكولوسيوم لعوامل الاضمحلال والإهمال والزلازل المدمرة لاسيما الزلزال العنيف الذي ضرب المنطقة عام 1349 وأدى إلى انهيار الجدار الجنوبي الخارجي، وتحول في العصور الوسطى إلى قلعة محصنة سيطرت عليها عائلات نبيلة مثل عائلة فرانشيباني، ثم استُخدم كمحجر ومقعد حجري لاستخراج مواد البناء لصالح تشييد قصور وكنائس أخرى في روما مثل كاتدرائية القديس بطرس. ومع تعاقب القرون، بدأ الاهتمام العلمي والأثري يتزايد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذا الإرث العظيم، حيث أُطلقت مشاريع ترميم واسعة النطاق في العصور الحديثة, ليتكلل بجهود حمايته واعتباره موقعاً للتراث العالمي لليونسكو وواحداً من عجائب الدنيا السبع الجديدة, مورثاً البشرية شاهداً حياً على عبقرية العمارة الرومانية القديمة بكل تناقضاتها التاريخية والهندسية.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا