
منذ أن استيقظ المغاربة في خريف عام 2018 على قرار فجائي يقضي بتثبيت التوقيت الصيفي طيلة السنة، والجدل حول “ساعة العثماني” ــ كما يروق للكثيرين تسميتها ــ لم يهدأ، بل يتحول مع توالي السنوات إلى جمرة متقدة تحت رماد النقاش المجتمعي والسياسي. يعود تاريخ اعتماد هذا التوقيت (GMT+1) بشكل دائم إلى أكتوبر من عام 2018، حين المصادقة على المرسوم رقم 2.18.855 في مجلس حكومي استثنائي انعقد قبل يومين فقط من التاريخ الذي كان محدداً للعودة إلى توقيت غرينيتش الأصلي، ليطوي المغرب بذلك مرحلة “تغيير الساعة” أربع مرات في السنة التي بدأت بانتظام منذ عام 2008، ويستقر على توقيت يراه الكثيرون غريباً عن الطبيعة الجغرافية والبيولوجية للمملكة. هذا التثبيت الفجائي لم يكن مجرد تعديل تقني في عقارب الساعة، بل أحدث زلزالاً صامتاً في نمط عيش المغاربة، تمتد ارتداداته لتطال الصحة العامة، وتوازنات الأسر، وتتحول مع الوقت إلى مادة دسمة للمناورات والوعود في البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية.
إن التأثير الأعمق والأكثر إثارة للقلق جراء هذا القرار يكمن في كلفته الباهظة على الصحة العامة والمؤشرات البيولوجية للمواطنين. فالإنسان محكوم بساعة بيولوجية داخلية دقيقة تنظم النوم، واليقظة، وإفراز الهرمونات بناءً على تعاقب الضوء والظلام الطبيعيين. ويؤكد خبراء طب النوم والطب النفسي أن إجبار الجسم على الاستيقاظ والتوجه إلى العمل أو المدرسة في ظلام دامس، خصوصاً في فصل الشتاء، يحدث خللاً يُعرف بـ “الاضطراب البيولوجي المزمن”. هذا الاضطرام يؤدي مباشرة إلى نقص حاد في جودة وعدد ساعات النوم، مما يرفع من مستويات هرمون الكورتيزول المسؤول عن التوتر، ويؤدي على المدى الطويل إلى زيادة احتمالية الإصابة بأمراض القلب والشرايين، واضطرابات الجهاز الهضمي، وضعف المناعة. ولا تقتصر الأضرار على الجانب العضوي، بل تمتد للسلامة النفسية والعقلية؛ فالاستيقاظ في عتمة الليل يساهم في تفاقم حالات الاكتئاب الموسمي، والقلق، وتقلبات المزاج. وتظهر التأثيرات بشكل جلي وحاد على الفئات الهشة، وتحديداً الأطفال والتلاميذ في العالم القروي والحضري على حد سواء، الذين يجبرون على مغادرة بيوتهم في جنح الظلام، مما يعرضهم لضغط نفسي وجسدي هائل يؤثر سلباً على تحصيلهم الدراسي وقدراتهم الذهنية، فضلاً عن المخاطر الأمنية التي تحف تنقلهم في الساعات الأولى من الصباح.
أمام هذه الكلفة الاجتماعية والصحية الباهظة، يبرز التساؤل الملح حول ما حققته هذه الساعة الإضافية من مكاسب تبرر التشبث بها. تاريخياً، سُوّغ القرار حكومياً بالمرجعية الاقتصادية والطاقية، بناءً على دراسات تقييمية أعدتها وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة بتعاون مع مكاتب خبرة. تدافع الحكومة عن التوقيت الصيفي الدائم باعتباره آلية لتقليص استهلاك الطاقة الكهربائية، عبر الاستفادة القصوى من ضوء النهار في نهاية اليوم، وتخفيف الضغط على الشبكة الوطنية للكهرباء في ساعات الذروة. لكن المكسب الأكبر، والهدف غير المعلن الذي يجمع عليه الاقتصاديون، هو الرغبة في الحفاظ على “التوافق الزمني” مع الشريك الاقتصادي الأول والحيوي للمغرب، وهو الاتحاد الأوروبي. إن تقليص فارق التوقيت مع الأسواق الأوروبية إلى الصفر أو ساعة واحدة كحد أقصى يضمن سلاسة المبادلات التجارية، ويسهل عمل قطاعات استراتيجية حساسة مثل مراكز النداء والترحيل الرقمي للخدمات (Offshoring)، والشركات العاملة في مجالي صناعة السيارات وأجزاء الطائرات، بالإضافة إلى قطاع الملاحة الجوية والنقل الدولي، وهي قطاعات تعتمد على التنسيق اللحظي مع المعامل والشركات في الضفة الشمالية للمتوسط.
ومع ذلك، تظل التبريرات الاقتصادية محل تشكيك واسع من طرف الهيئات النقابية وجمعيات حماية المستهلك، التي ترى أن التوفير في الطاقة المنزلية تبدد بسببه الفاتورة الطاقية الصباحية للمؤسسات والمصانع، مما يجعل الحصيلة الإيجابية المزعومة مجرد أرقام غير ملموسة في المعيش اليومي للمواطن. هذا التباين الحاد بين الرواية الرسمية والواقع المعاش هو ما جعل من ملف “الساعة الإضافية” ورقة سياسية بامتياز ومادة خصبة للوعود الانتخابية. تدرك الأحزاب السياسية، خصوصاً تلك التي تموقع نفسها في صفوف المعارضة قبل الاستحقاقات، حجم السخط الشعبي العارم والرفض الجماعي لهذا التوقيت. بناءً على هذا الإدراك، يتم توظيف هذا الملف كبرنامج وشعار جذاب لتحقيق النجاح في الانتخابات واستمالة أصوات الناخبين الغاضبين؛ فالوعد بالعودة إلى “ساعة الله” أو توقيت غرينيتش القانوني هو أسرع وسيلة لدغدغة عواطف الأسر المغربية، وإشعارهم بأن الحزب يتألم لآلامهم اليومية ويحمل مفتاح الخلاص من معاناتهم الصباحية، مما يمنح هذا الملف قوة تعبوية هائلة في الحملات الانتخابية، على الرغم من أن التجربة أبانت أن هذه الوعود غالباً ما تتبخر بمجرد الجلوس على كراسي المسؤولية الحكومية ومواجهة الإكراهات الهيكلية للدولة.
يقودنا هذا التراجع الحزبي بعد تقلد السلطة إلى مناقشة الطبيعة القانونية والسياسية للقرار؛ فهل الساعة الإضافية في المغرب قرار سيادي؟ بالمعنى الدستوري والسياسي الصرف، نعم، هو قرار سيادي مستقل تتخذه مؤسسات الدولة المغربية وفقاً لتقديراتها للمصالح العليا للبلاد، ولا يوجد أي إملاء خارجي مباشر يجبر المملكة على تبني توقيت معين. لكن بالمعنى الواقعي والاقتصادي، فإن القرار يقع تحت طائلة “التبعية الاقتصادية والاختيار القسري” الناجم عن عولمة الاقتصاد وارتباط المغرب العضوي بالمنظومة الأوروبية. أما بخصوص قدرة الحكومة على التراجع والرجوع لتوقيت غرينيتش، فالإجابة القانونية والدستورية واضحة تماماً: نعم، الحكومة تملك كامل الصلاحية والاستطاعة القانونية للعودة إلى التوقيت الأصلي في أي وقت تشاء. القرار لم يصدر بنص دستوري أو قانوني معقد، بل اعتمد عبر مرسوم حكومي بسيط، والجهة التي تملك سلطة إصدار المرسوم وتوقيعه تملك قطعاً سلطة إلغائه أو تعديله بمرسوم جديد يعيد الأمور إلى نصابها؛ فالأمر لا يحتاج سوى لإرادة سياسية حكومية شجاعة تضع الكلفة الإنسانية والصحية للمواطنين في كفة أرجح من الحسابات التجارية الضيقة لشركات التصدير والترحيل الرقمي، لتنهي بذلك تجربة امتدت لسنوات، أثبتت أن ضبط عقارب الساعة لا يمكن أن ينجح إذا كان يسير عكس الاتجاه الفطري لبيولوجيا الإنسان.







