ثقافة وفن

​عرين الأحرار مسيرة الشيخ محمد بن زايد

​الجزء الأول: وكر الأحرار ​الفصل الأول: رياح الشرق العاصفة ​مخاض المنطقة العربية وتصدع الباب العالي

كانت المنطقة العربية مع بداية القرن العشرين تعيش على صفيح ساخن، وترزح تحت وطأة تحولات جيوسياسية كبرى أعادت رسم خرائط الجغرافيا والتاريخ في الشرق الأوسط. فالدولة العثمانية، التي بسطت نفوذها لقرون طويلة على أجزاء واسعة من المشرق والمغرب العربي، كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة وتعيش مرحلة السقوط المتسارع. تحول الباب العالي في إسطنبول إلى ساحة للتجاذبات الدولية والصراعات الداخلية، ومع اشتعال شرارة الحرب العالمية الأولى، تداعت أركان الخلافة العثمانية تماما، تاركة وراءها فراغا سياسيا هائلا وممزقا، تنافست القوى الاستعمارية الكبرى على تقاسمه وملئه وبسط نفوذها عليه.
​في تلك الأثناء، كانت المعاهدات السرية والعلنية، وفي مقدمتها اتفاقية سايكس بيكو، تطبخ في غرف السياسة الأوروبية المظلمة بعيدا عن إرادة الشعوب العربية. تقاسمت بريطانيا وفرنسا إرث الرجل المريض، فرسمت حدود جديدة بالمسطرة والنار فوق جسد الأمة، وشهدت مناطق الشام والعراق ومصر تحولات عاصفة، وثورات شعبية عارمة تبحث عن الاستقلال والأنفة العربية، وسط صعود قوى إقليمية جديدة وأطماع دولية لا تهدأ للسيطرة على الممرات المائية والمنافذ الاستراتيجية التي تربط الشرق بالغرب وتتحكم في طرق التجارة العالمية.
​جغرافيا الصمود في ساحل عمان المتصالح
​بعيدا عن صخب العواصم الكبرى في الشام والقاهرة، وفي الجزء الجنوبي الشرقي من شبه الجزيرة العربية، كانت هناك أرض تمتد بين هجير الصحراء العاتي وأمواج الخليج الهادرة، عرفت في السجلات البريطانية باسم الإمارات المتصالحة أو ساحل عمان. هذه الأرض لم تكن تخضع للنفوذ العثماني المباشر، بل كانت تعيش في معزل طبيعي وسياسي صانته طبيعتها الجغرافية القاسية وشجاعة قبائلها وبأس رجالها. إلا أنها دخلت منذ القرن التاسع عشر في منظومة المعاهدات الحصرية مع الإمبراطورية البريطانية، وهي اتفاقيات فرضتها لندن بقوة السلاح لضمان أمن خطوطها البحرية وحماية سفنها المتجهة نحو الهند، ومراقبة أي تحرك لقوى دولية منافسة في مياه الخليج العربي.
​لم تكن بريطانيا تستعمر هذه السواحل بحشود عسكرية مباشرة في الداخل؛ فالرمال الحارقة وشظف العيش وقسوة البراري كانت كفيلة بإبعاد أي جيش نظامي، بل تركت لإمارات الساحل وحكامها إدارة شؤون قبائلهم الداخلية وفق السنع والأنفة العربية الأصيلة والأعراف العشائرية المتوارثة. كان السكان يعيشون ملحمة يومية حقيقية في مواجهة الطبيعة وشح الموارد؛ يعتمدون على الغوص لؤلؤا في مواسم القيظ اللاهبة، والصيد بحرا، ورعي الإبل والزراعة البسيطة في الواحات الداخلية كواحة العين. ومع انهيار سوق اللؤلؤ الطبيعي إثر ظهور اللؤلؤ الصناعي الياباني، مرت المنطقة بظروف اقتصادية قاسية جدا وهبطت مستويات المعيشة، فباتت البيوت المشيدة من اللبن وسعف النخيل تقاوم الرياح والفقر بصبر فطري عجيب، متمسكة بهويتها وعقيدتها في انتظار فجر جديد يتجاوز شح الأرض وقلة الحيلة.
​بصير الواحة واللبنات الأولى للدولة الحديثة
​في قلب هذا المخاض العسير، وفي خمسينيات القرن العشرين، بدأت ملامح التحول الكبير تتشكل في وعي رجل واحد سبقت بصيرته عصره بكثير. في مدينة العين، الحصن الداخلي للواحات، كان الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي تولى حكم المنطقة الشرقية عام 1946، يرقب عواصف السياسة الدولية والتغيرات الجسيمة التي تعصف بالمنطقة العربية ككل. كان يرى بأم عينيه أن بريطانيا، التي بدأت قواها تضعف بعد الحرب العالمية الثانية، ستنسحب عاجلا أم آجلا من شرق السويس، وأن هذه الإمارات الصغيرة المتفرقة، بقبائلها المشتتة ومواردها المحدودة، لن تقوى على الصمود منفردة وسط غابة الأطماع الدولية والإقليمية المحيطة بها إن لم تتسلح بأركان الدولة الحديثة وتتحصن بالاتحاد الحتمي.
​تحرك الشيخ زايد على الأرض بعبقريته القيادية الفطرية وبدأ يشيد الدولة من نقطة الصفر بيمينه وعزيمته. شق قنوات المياه والأفلاج الدفينة ليصنع ثورة زراعية تحيي الأرض الميتة وتثبت القبائل في أرضها وتمنع تشتتها، ثم التفت إلى العقل البشري، فأنشأ المدارس التأسيسية الأولى ليمحو أمية الصحراء بسلاح المعرفة والعلوم، بالتوازي مع بناء المستشفيات ودور الرعاية، وعلى رأسها مستشفى الواحة الطيني في العين، ليؤمن للإنسان صحته وكرامته فوق ترابه.
​ولم تقف بصيرته عند حدود الإعمار والتنمية، بل كان يدرك أن الحق الذي لا تحميه القوة هباء تذروه الرياح؛ فبدأ يوضع النواة الأولى لمنظومة الأمن والدفاع، ممهدا لتأسيس القوة العسكرية والجيش الذي يحمي الحمى ويصون المكتسبات، ويجمع شمل القبائل المتنافرة على حوض النظام والانضباط العسكري الصارم. لقد كان يختصر الزمان ويسبق المؤسسات الدولية ببناء ركائز الدولة الحديثة في واحة العين؛ رابطا فكرة التنمية بفكرة الاتحاد والتلاحم كخيار مصيري وحيد للبقاء والسيادة، وصار يمهد الأرض بالصبر، والسنع، وحسن الجوار، وبناء المؤسسات السيادية التي تحولت من مجرد أفكار في براري العين إلى أركان راسخة لكيان سياسي جديد يوشك أن يولد من رحم المعاناة والتحولات التاريخية الكبرى.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا