
لم تكن القوائم الجغرافية والإحداثيات التي أودعها العراق مؤخراً لدى الأمم المتحدة مجرد أوراق تقنية تضاف إلى أرشيف المنظمة الدولية، بل كانت بمثابة زلزال دبلوماسي أعاد رسم ملامح القلق في منطقة الخليج العربي. إن الرفض السعودي القاطع لما وصفته بـ “التعديات” العراقية يعكس تحولاً من الصمت الحذر إلى الحزم المباشر، فالرياض اليوم لا تدافع فقط عن جار لزيم، بل تذود عن مصالح حيوية في “المنطقة المغمورة المقسومة” التي تشترك فيها مع الكويت بموجب اتفاقيات تاريخية معقدة. إن جوهر الأزمة يكمن في محاولة بغداد إعادة تعريف مجالها البحري بما يتجاوز العلامة المائية “162”، وهي النقطة التي لطالما اعتبرها المجتمع الدولي بموجب القرار 833 لعام 1993 خطاً فاصلاً لا يجوز العبث به.
إن التحرك العراقي بإيداع خرائط تشمل مناطق مثل “فشت العيج” و”فشت القيد” وأجزاء من المنطقة المغمورة، يُقرأ في العواصم الخليجية كخروج عن مبادئ حسن الجوار ومحاولة لفرض واقع قانوني جديد يلتف على الالتزامات الدولية. السعودية، من جانبها، لم تعد ترى في هذا الملف شأناً كويتياً-عراقياً محضاً، بل مساساً بكيانها الاقتصادي، خاصة وأن أي تغيير في ترسيم الحدود البحرية قد يمتد أثره إلى حقوق استغلال الحقول النفطية والغازية المشتركة (مثل حقل الدرة)، التي تعتبرها الرياض والكويت ملكية حصرية لهما مناصفة. هذا الاصطفاف الخليجي الموحد، الذي تجلى في بيانات التضامن من قطر والإمارات والبحرين، يبعث برسالة واضحة مفادها أن أمن الحدود المائية للكويت هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي للمنظومة الخليجية ككل.
على الجانب الآخر، تجد بغداد نفسها تحت ضغط “الجغرافيا السياسية الخانقة”، حيث تسعى من خلال هذه الإحداثيات لتوسيع نافذتها البحرية الوحيدة لتأمين مشاريعها العملاقة كـ “ميناء الفاو”، وهي طموحات مشروعة اقتصادياً لكنها تصطدم بجدار من القوانين الدولية التي لا تعترف بالأماني بقدر اعترافها بالاتفاقيات الموثقة. إن إبطال المحكمة الاتحادية العراقية سابقاً لاتفاقية “خور عبدالله” خلق فجوة ثقة كبيرة، وجاء إيداع الخرائط الجديدة ليعمق هذه الفجوة، مصوراً العراق كطرف يحاول التحلل من التزاماته الدولية تحت ضغوط سياسية داخلية.
إن ما يحدث اليوم هو صراع بين رغبة في “الاستنهاض الجغرافي” من جانب العراق، وبين تمسك بـ “الاستقرار القانوني” من جانب السعودية والكويت. والخطورة تكمن في أن يتحول هذا النزاع “الفني” إلى أزمة سياسية دائمة تعطل مشاريع الربط الاقتصادي والاستثمار التي بدأت تنمو بين الرياض وبغداد. إن الحل لن يكون عبر إيداع خرائط أحادية الجانب في نيويورك، بل في العودة إلى روح الحوار التي دعت إليها الخارجية السعودية، والالتزام الصارم بقرار مجلس الأمن 833، فالبحار في هذه المنطقة ليست مجرد ممرات مائية، بل هي شرايين اقتصادية تتطلب “بوصلة” من الحكمة وليس مجرد “إحداثيات” على ورق.







