
يشهد العالم اليوم تحولاً دراماتيكياً في مسار الصراع الإيراني الأمريكي، حيث انتقلت لغة الخطاب من التلويح بالحرب الشاملة إلى “دبلوماسية المضائق” و”تفاهمات الضرورة”. فإعلان طهران فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، وتلقفه من قبل واشنطن بنوع من الترحيب المشروط، يضعنا أمام مرحلة جديدة من إعادة صياغة قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط. وفي هذا السياق المحموم، يبرز لقاء مرتقب ومفصلي في العاصمة الباكستانية إسلام آباد؛ حيث تتجه الأنظار إلى يوم الإثنين المقبل (20 أبريل 2026) كموعد محتمل لجولة ثانية حاسمة، تأتي بعد جولة أولى شاقة لم تفضِ إلى اتفاق نهائي، لكنها مهدت الطريق لوساطة باكستانية نشطة يقودها الجنرال عاصم منير بترحيب مباشر من الرئيس ترامب. وتبدو المعادلة الحالية معقدة للغاية؛ فبينما تحاول إيران استثمار الهدوء الإقليمي لفك عزلتها البحرية، يصر البيت الأبيض على إبقاء “خناق الموانئ” قائماً، مما يعكس صراعاً على الإرادات يسبق الجلوس الفعلي على طاولة المفاوضات المرتقبة التي تهدف لتحويل “الهدنة الهشة” إلى اتفاق سلام دائم قبل انقضاء مهلة وقف إطلاق النار في 22 أبريل.
إن اشتراط الحرس الثوري حصول السفن على “إذن مسبق” يعكس رغبة طهران في الاحتفاظ بورقة الضغط الاستراتيجي، في حين أن واشنطن تراهن على إنهاك الداخل الإيراني للوصول إلى اتفاق “شامل بنسبة 100%”. أما الحديث الأمريكي عن استعادة “الغبار الذري” وآليات الحفر، فهو يعكس “البرجماتية الصادمة” في نهج البيت الأبيض الحالي، والذي يسعى لإنهاء الملف النووي بآليات مادية ومباشرة تتجاوز الاتفاقات الورقية التقليدية، وهو ما تقابله إيران برفض قاطع حفاظاً على ما تبقى من سيادتها النووية وهيبة قرارها الوطني.
وبالنظر إلى آفاق المستقبل، فإن المنطقة تقف الآن أمام مسارات مفصلية؛ إذ تشير المعطيات إلى أن لقاء إسلام آباد قد يكون حجر الزاوية في بناء “اتفاق إطار” مرحلي ينهي الفجوة المالية الكبيرة بين عرض واشنطن ومطالب طهران. وفي حال نجاح الوسطاء في تقريب وجهات النظر، قد نشهد تحولاً نحو “الحل التقني” للملف النووي عبر نقل المخزون إلى طرف ثالث، مما سيؤدي إلى استقرار طويل الأمد في أسعار الطاقة وتغيير وجه الخارطة الجيوسياسية للمنطقة. ومع ذلك، يظل خطر “الاحتواء المتبادل” قائماً إذا ما اصطدمت طموحات الاتفاق الكامل بصلابة الخطوط الحمراء، مما قد يحول هذا الانفراج المؤقت في مضيق هرمز إلى مجرد “هدنة هشة” تسبق جولة جديدة من التصعيد. إن الأيام القادمة ستحسم ما إذا كان العالم سيعبر نحو الاستقرار، أم سيظل رهينة للتجاذبات الدولية المعقدة.







