
إنَّ المتأمل في المشهد الرقمي الراهن يدركُ، دون عناء، أنَّ مفهوم المعارضة في زمن “البهرجة” الافتراضية قد أصيب بانتكاسة أخلاقية وبنيوية، جعلت من الصعب الربط بين نبل الفكرة وسفالة الوسيلة. فالمعارضة، كما عهدها التاريخ السياسي المغربي، هي فعلُ ممانعةٍ فكري يرتكزُ على أيديولوجيا صلبة وقاعدة شعبية وازنة، تهدفُ في جوهرها إلى الإصلاح العام ومناقشة السياسات، لا الانحدار إلى درك “الشخصنة” المبتذلة. ومن هنا، تبرزُ وجوهٌ من “تجار المواقف الرقمية” كنموذج صارخ لهذا المسخ القيمي، حيث تحولت منصاتهم إلى بؤرٍ للاستهداف الممنهج لرموز الدولة المغربية، وفي مقدمتهم السيد عبد اللطيف الحموشي، إلى جانب وكلاء للملك ورجال أمن نذروا حياتهم لاستقرار الوطن، في محاولة بائسة لتصوير “النضال” كمعركة شخصية، وهي لعمري أبعد ما تكون عن المعارضة الحقيقية التي خبرناها مع “أشاوس” السياسة الذين كانوا ينتقدون “المنظومة” بوقار الفرسان، لا “الشخوص” بلسان العابثين.
إنَّ ما ينشره هؤلاء “المدونون المارقون” من ترهات، أثبتت الوقائع زيفها، يضعنا أمام حقيقة لا تقبل الجدل؛ وهي أنَّ هؤلاء لا يتحرون الدقة، بل يقتاتون على تزوير الواقع، والدليل القاطع هو سقوطهم في فخاخ التضليل المتكررة، مما يكشفُ أنَّ الهدف ليس الإصلاح أو تقويم الاعوجاج، بل هو “التشهير” المحض والابتزاز الرخيص. فالمعارضُ الذي يفتقرُ إلى المرجعية الفكرية —سواء كانت يسارية أو يمينية أو إسلامية— هو في الواقع “ببغاء” لا يملك من أمره إلا صدى أصواتٍ تحركه من خلف الستار، إذ لا يمكن تصور معارضٍ بلا قاعدة شعبية تغذي طرحه، وبلا ثقل سياسي يمنحه الشرعية الأخلاقية. فالفرق شاسع بين من يحمل همَّ الوطن، وبين من يختبئ خلف “الجوازات الأجنبية” ليخلق فقاعة من “القوة الوهمية”، محولاً منصات (غوغل) وأرباح (الأدسنس) إلى غايةٍ تبرر وسيلة هدم البيوت والتشهير بالعباد.
ولعلَّ المقارنة هنا تفرض نفسها بقوة حين نستحضرُ زمن المعارضة الشرسة والنبيلة في آن واحد؛ فالتاريخ المغربي حافل بأسماء واجهت النظام بصلابة فكرية منقطعة النظير، دون أن تسقط في وحل الشتم. نستذكرُ هنا عبد الرحمان اليوسفي، الذي عارض بشرف وبنى مواقفه على أسس دولة المؤسسات، وإبراهام السرفاتي الذي ظلَّ مخلصاً لقناعاته الأيديولوجية دون أن يحيد عن أدبيات الصراع السياسي الراقي، والراحل عبد السلام ياسين زعيم جماعة “العدل والإحسان”؛ فرغم حدة رسائله الشهيرة “لمن يهمه الأمر” الموجهة للمغفور له الحسن الثاني وللملك محمد السادس نصره الله، إلا أن هؤلاء العمالقة لم ينحدروا يوماً إلى درك السب أو القدح في الأعراض. لقد عارضوا بأسلوب “المتبصر” الذي يواجه الطرح بالطرح، محترمين حدود الأدب والوقار، فلم يشخصنوا الصراع ولم يتوغلوا في علل الناس، وهي شهادة حق تثبت أنَّ المعارضة فنٌّ وأخلاق، وليست صراخاً وهذياناً يبتغي حصد المشاهدات.
أما المأساة الحقيقية فتتجلى في “حكاية عمر”، ذلك الشاب الذي وقع ضحية تغرير “أبواق التشهير”، حيث استغل هؤلاء العاطفة الجياشة لشاب مكلوم بحب من طرف واحد لضابطة أمن، ليسوقوه كطعمٍ لاستقصاء أخبارها قصد صناعة “فيديو تشهيري” يدر الربح المادي. لقد سقط الشاب في الفخ لأنَّ المحب أعمى، ولأنَّ قلة الخبرة جعلته وقوداً لنارٍ يشعلها “مدون” يعيش على مآسي الآخرين. إنَّ هذه واقعة تختصرُ منهجية هؤلاء: استغلال الضعف البشري، والضرب تحت حزام الأخلاق، لتحقيق مآرب لا علاقة لها بالوطنية أو التغيير.
ختاماً، إنَّ الدعوة موجهة لكل مغربي لبيب لمراجعة ما يروجه هؤلاء المرجفون ومقارنته بما يراه على أرض الواقع؛ فجولة واحدة في ربوع الوطن، ومقارنتها ببلدانٍ أخرى، تظهر حجم النعمة التي ننعم بها من أمن وأمان وتنمية صامتة تخطو نحو الازدهار. إنَّ الطريق الوحيد للتقدم هو التضحية من أجل وحدة الصف، والاعتبار بمصير بلدانٍ جرفت في طريقها الانقلابات والقلاقل، فانتهت إلى استبدادٍ وفقرٍ وضياع. فلا تتركوا وسائل التواصل الاجتماعي، التي تبث السموم في العسل، تريكم بلادكم بعيونٍ حاقدة، فالبناء يتطلب سواعد المخلصين، أما الهدم فما أسهله على ألسنة المرتزقة. فالوطنُ ليس فندقاً نغادره حين تسوء الخدمة، بل هو الوجود والكيان، والمعارضة الحقيقية هي التي تبني من الداخل بمداد الغيرة، لا التي تهدم من الخارج بصراخ الارتزاق.






