
ليس القفطان المغربي مجرد زي تقليدي يُرتدى في المناسبات، بل هو هوية وطن، وحكاية حضارة ضاربة في عمق التاريخ، ورمز من رموز الإبداع المغربي الذي تألق في كبريات العواصم العالمية من باريس إلى دبي. إنه قطعة من الذاكرة الجماعية، ومن غير المقبول أن يتحول إلى وسيلة للادعاء أو مطية للبحث عن ألقاب وهمية.
في الآونة الأخيرة، يطفو على السطح ادعاء بعض النساء حمل لقب “سفيرة القفطان المغربي” أو حتى “أميرة القفطان”، دون سند قانوني، أو اعتراف رسمي، أو مسار ثقافي يبرر هذا التتويج. وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: من يمنح هذه الألقاب؟ وبأي صفة؟ وأين هي المعايير التي تخول لشخص ما تمثيل تراث أمة بأكملها؟
إن صفة “سفير” في معناها الرسمي لا تُمنح إلا بظهير أو تعيين صادر عن الدولة، وتخضع لمقتضيات قانونية واضحة داخل المملكة المغربية. أما في المجال الثقافي، فإن أي لقب من قبيل “سفير النوايا الحسنة” أو “سفير ثقافي” تمنحه مؤسسات معترف بها، ويكون مبنيا على مسار مهني وثقافي موثق، وكفاءة حقيقية، وقدرة على التواصل الدولي، بما في ذلك إتقان اللغات الأجنبية للتعريف بالموروث الوطني في المحافل الدولية.
فكيف يعقل أن يُختزل القفطان، بكل رمزيته وقيمته، في لقب يُمنح ذاتيا دون معايير، ودون ثقافة، ودون قدرة على تمثيل المغرب خارج حدوده؟ إن الدفاع عن القفطان ليس مجرد دفاع عن ثوب، بل دفاع عن صورة وطن.
من الناحية القانونية، فإن انتحال صفة ينظمها القانون المغربي، ويجرم كل ادعاء لصفة منظمة قانونا دون سند مشروع. فالقانون واضح في تجريم انتحال الصفات والوظائف التي يترتب عنها إيهام الغير بوجود صفة رسمية أو امتياز غير حقيقي. وعليه، فإن أي استعمال للقب يوحي بتمثيل رسمي أو اعتراف مؤسساتي قد يدخل في دائرة المساءلة، خاصة إذا كان الهدف منه تحقيق منافع مادية أو معنوية.
وهنا يبرز دور الوزارة المعنية بقطاع الثقافة والصناعة التقليدية، باعتبارها الجهة الوصية على حماية التراث الوطني، في ضبط هذا المجال، ووضع إطار واضح يمنع العبث بالألقاب المرتبطة بالهوية الثقافية المغربية. فترك المجال مفتوحا أمام الادعاءات يسيء إلى صورة المغرب، ويخلق فوضى في فضاء يفترض أن تحكمه المهنية والكفاءة.
إن القفطان المغربي أكبر من أن يكون شعارا شخصيا، وأسمى من أن يُختزل في بطاقة تعريف مطبوعة أو لقب متداول في مواقع التواصل الاجتماعي. إنه إرث جماعي، لا يحق لأحد احتكاره أو التحدث باسمه دون استحقاق.
المطلوب اليوم ليس تصفية حسابات مع أشخاص، بل ترسيخ ثقافة الاستحقاق وربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى لا تتحول الساحة الثقافية إلى مسرح للألقاب الفارغة. فالوطن لا يُمثَّل بالادعاء، بل بالعلم، والخلق، والكفاءة، والقدرة على حمل رسالته إلى العالم بلغة راقية ومسؤولة.
وليبق القفطان المغربي تاجا على رؤوس المغاربة جميعا، لا لقباً عابرا على ألسنة الطامحين إلى وهم المجد.






