أراء وكتاب

زكاة الفطر في المهجر: معركة الوعي المقاصدي في مواجهة الانحباس الظاهري.. إيطاليا نموذجاً

عبد الله مشنون كاتب صحفي ومحلل سياسي مقيم في إيطاليا مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة والاسلام

مع إطلالة عبق عيد الفطر المبارك، يتجدد في ديار المهجر ولا سيما في الواقع الإيطالي جدل فقهي عقيم حول هيئة إخراج زكاة الفطر؛ بين متمسك بظاهر النص في الإخراج عيناً طعاماً، وبين مستبصر بمقاصد الشريعة في الإخراج نقداً. وهو نزاع يتجاوز في جوهره المسألة الفقهية الفرعية ليمس كليات الدين وعقلانية التشريع، خاصة حين يتصدر المشهد نوابت العلم الذين يفتقرون لأدوات الاستنباط وفقه المآلات.

إن الشريعة الإسلامية مبنية على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها. وإذا أردنا تحقيق المناط في زكاة الفطر، نجد أن العلة الغائية التي نصت عليها الشريعة الاسلامية هي قوله ﷺ: “أغنوهم عن طواف هذا اليوم” رواه البيهقي والدارقطني. وهنا يبرز التساؤل الفقهي الأكاديمي: هل يتحقق الإغناء في سياق المجتمعات الأوروبية المعاصرة بالعين أم بالقيمة؟ إن إخراج الصاع من القمح أو الشعير في مدن مثل ميلانو أو روما او طورينو قد يتحول من منفعة للفقير إلى عبء عليه؛ إذ يضطر لبيعه بخسارة فادحة ليقضي حوائجه الأصلية من ملبس ودواء وكهرباء. لذا، فإن العدول عن الأصل المذكور إلى المقصد المنشود هو عين الفقه، لأن الوسائل تتغير بتغير الأزمان، أما المقاصد فثابتة.”

إن اختياري لطرح هذا الموضوع في هذا التوقيت لم يكن وليد تأمل نظري فحسب، بل هو نتاج استقراء ميداني وتواصل مستمر ومباشر مع مختلف أطياف الجالية المسلمة في ديار المهجر. وبحكم اهتمامي الوثيق، واتصالي الدائم بالمسؤولين والقائمين على بعض المراكز الإسلامية، ومشاركتي الشعائر في أغلب مساجد مدينة طورينو وعموم مناطق شمال إيطاليا، لمستُ حاجةً ملحةً لتحصين هذا الفضاء الروحي من الاختراق الفكري.

لقد تبيّن لي من خلال معاينة الواقع أن الجالية المسلمة تواجه ضغوطاً مزدوجة؛ ضغوط الحياة اليومية في بيئة أوروبية لها تعقيداتها الاقتصادية، وضغوط التشويش الفقهي الذي يمارسه البعض، مما يولد حالة من الحرج والارتباك لدى العامة. إن حديثي هنا ينبع من قلب الميدان، ومن منطلق المسؤولية المعرفية تجاه هذه المؤسسات الدينية التي أسستها الجالية بجهدها لتكون منارات للعلم والتعايش، لا ساحات للنزاع حول مسائل حسمتها مقاصد الشريعة وأقرتها المجامع الفقهية المعتبرة.

يروج البعض أن إخراج القيمة خروج عن السنة، وهذا جهل مركب بالتراث الفقهي العريض. فإخراج القيمة هو مذهب ثلة من كبار الصحابة والتابعين، ومنهم:

معاذ بن جبل رضي الله عنه: حين قال لأهل اليمن: ائتوني بعرض ثيابٍ آخذه منكم في الصدقة مكان الشعير والذرة؛ فإنه أهون عليكم وخير لأصحاب النبي ﷺ بالمدينة. وهذا تأصيل صريح لاعتبار الأصلح للآخذ والمعطي.

الإمام أبو حنيفة وأصحابه: وهو المذهب الرسمي الذي قرر أن القيمة أوفق لمصلحة الفقير.

عمر بن عبد العزيز: خامس الخلفاء الراشدين، الذي كتب لعماله بأخذ نصف درهم عن كل إنسان في زكاة الفطر.

الإمام الحسن البصري وسفيان الثوري: وغيرهم من فحول العلم الذين لم يروا في النقد مخالفة للسنة، بل رؤوا فيه تحقيقاً لروحها.

إن أخطر ما يواجه السلم المجتمعي والأمن الروحي للمسلمين في ديار المهجر هو تصدر فئة الرويبضة للمشهد؛ وهم الذين يفتقرون للأدوات العلمية الراسخة ويتصدرون للفتوى في شؤون العامة عبر الفضاءات الرقمية، ممارسين نوعاً من الوصاية الفقهية القسرية. هؤلاء يتجاهلون القاعدة الأصولية المستقرة: “لا يُنكر في المختلف فيه، وإنما يُنكر في المجمع عليه”.

إن المسلك الذي ينتهجه البعض في تبديع القائلين بجواز إخراج القيمة هو مسلك يُجافي روح الشريعة ويُغذي بذور الشقاق داخل المراكز الإسلامية والمساجد. كما أنه يتنكر لمبدأ سيادي في الفقه الإسلامي، وهو أن الفتوى في النوازل العامة والمسائل التي تمس جماهير المسلمين في بلدان الاغتراب، هي حق حصري للمجامع الفقهية الكبرى والمؤسسات العلمية الرسمية في العالم الإسلامي، التي تمتاز بمرجعياتها الوسطية وقدرتها على المزاوجة بين ثبات النص وحركة الواقع.

إن اعتصام المسلمين في إيطاليا بقرارات المجامع الفقهية والمؤسسات العلمية المعتبرة في أوطانهم الأصلية وفي العالم العربي والإسلامي ليس مجرد اتباع تقليدي، بل هو تمسك بالمنهج المقاصدي الذي يحمي الفرد من التذبذب الفقهي والارتباك أمام الفتاوى العشوائية.

تدرك هذه المؤسسات الراسخة أن المراكز الإسلامية في بيئات كإيطاليا لا تعمل فقط كأماكن للعبادة، بل كمنظومات تكافلية واجتماعية. ومن هنا، فإن إخراج الزكاة نقداً يمنح هذه المراكز والمساجد المرونة الكافية لتوجيه المصارف نحو الاحتياجات الحقيقية والأكثر إلحاحاً، كدفع ديوان الغارمين، وتغطية إيجارات المعوزين، وكفالة الأيتام، وهي مقاصد شرعية عليا ومصالح مرسلة لا يمكن لصاع الطعام أن يحققها في ظل اقتصاديات معقدة وبيئات لا تتعامل إلا بالنقد لتوفير أساسيات الحياة الكريمة.

إن القول بوجوب الطعام حصراً في زمننا هذا هو نوع من الظاهرية المحدثة التي تُظهر الإسلام كدين طقوسي جامد. فالله عز وجل قال: “يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ” (البقرة: 185). إن إخراج القيمة اليوم هو الأبرأ للذمة، والأطهر للصائم، والأنفع للمسكين. ومن أراد الاحتياط لنفسه بإخراج الطعام فله ذلك، لكن ليس له أن يسلب الآخرين رخصة وسعة شرعية أقرتها الجبال من أهل العلم.

يا أبناء الجالية المسلمة، اعلموا أن العبادة أثر لا مجرد رسم. وزكاة الفطر شرعت لغسل أدران اللغو عن الصائم، ولسد خلة المحتاج. فلا تجعلوا من هذه الشعيرة السامية ميداناً للمزايدات الضيقة. اعتصموا بفقهاء الأمة الراسخين، وقدموا مصلحة الفقير وكرامته على جمود التفكير وتشدد المتنطعين؛ فالدين يسر، ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه.

وفي الختام، نسأل الله العلي القدير أن يتقبل من الجميع الصيام والقيام وصالح الأعمال، وأن يجعل زكاتنا طهرةً لصيامنا، وسعةً لمساكيننا، ورفعةً لأوطاننا. اللهم ألّف بين قلوب المسلمين في ديار المهجر، واجمع كلمتهم على الحق والهدى، وبصّرنا بمقاصد دينك الحنيف، وجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وبارك لنا في مراكزنا ومساجدنا وجاليتنا، واجعل عيدنا فرحةً تزهو بها النفوس وتنكشف بها الكروب.. إنك سميع مجيب الدعاء.

Ahame Elakhbar | أهم الأخبار

جريدة أهم الأخبار هي جريدة مغربية دولية رائدة، تجمع بين الشمولية والمصداقية، وتلتزم بالعمل وفقًا للقانون المغربي. تنبع رؤيتها من الهوية الوطنية المغربية، مستلهمة قيمها من تاريخ المغرب العريق وحاضره المشرق، وتحمل الراية المغربية رمزًا للفخر والانتماء. تسعى الجريدة إلى تقديم محتوى يواكب تطلعات القارئ محليًا ودوليًا، بروح مغربية أصيلة تجمع بين الحداثة والجذور الثقافية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا