أراء وكتاب

نهاية رمضان وصناعة الإنسان: في تفكيك البعد المقاصدي للصيام بوصفه أفقًا للتحرر وإعادة تأسيس الفاعلية الحضارية

عبد الله مشنون كاتب صحفي ومحلل سياسي مقيم في إيطاليا مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة والاسلام

في تحوّل الزمن التعبدي من الدورية إلى التراكم
لا يختزل انقضاء شهر رمضان في كونه لحظة زمنية تنقضي ضمن إيقاع دوري مألوف، بل يتجاوز ذلك ليغدو مفترقًا دلاليًا حاسمًا بين طورين: طور تشكّل الإرادة وطور اختبارها في الفعل. وإذا كان الزمن التعبدي في بنيته الظاهرة زمنًا دائريًا يعاود ذاته كل عام، فإن قيمته الحقيقية لا تُستخلص إلا حين يُعاد توجيهه نحو أفق تراكمي يعيد تشكيل الذات الفردية والبنية الجماعية معًا. عند هذا الحد، يغدو السؤال كامناً في عمق التجربة لا على سطحها: ما الذي يبقى من الصيام بعد انقضائه؟ وأي أثر يترسب في بنية الفعل الإنساني بعد أن تهدأ حرارة الامتناع وتعود الأشياء إلى مألوفها؟

بين هذا الأفق وذاك، يتحدد المعنى المقاصدي للصيام بوصفه ليس مجرد انقطاع مؤقت عن المباح، بل انخراطًا واعيًا في عملية إعادة بناء الذات، بما يفتح المجال لإعادة التفكير في مفهوم العبادة ذاته: هل هي طقس منغلق على ذاته، أم أداة لإنتاج إنسان قادر على حمل أعباء الاستخلاف في سياق تاريخي متغير؟

أولاً: الصيام وإعادة تشكيل الإرادة — من كسر العادة إلى مساءلة الاستلاب
كيف يمكن لفعل امتناعي، في ظاهره سلبي، أن يتحول إلى لحظة تأسيس لإرادة فاعلة؟ وأي تحوّل يحدث حين يختار الإنسان، طوعًا، أن يعلّق استجابته لأكثر حاجاته بداهة؟

ينفتح الصيام، في هذا المستوى، بوصفه تجربة حدّية تُربك العلاقة التقليدية بين الإنسان واحتياجاته، حيث لا يعود الجوع مجرد حالة بيولوجية، بل يتحول إلى أداة معرفية تكشف هشاشة الارتهان للمألوف. إن الامتناع عن المباح لا يُفهم هنا بوصفه تضييقًا على الحياة، بل بوصفه توسيعًا لأفق الاختيار، إذ يستعيد الإنسان عبره قدرته على قول “لا” في عالم تتكاثر فيه الإكراهات الناعمة.

غير أن هذا الكسر المؤقت لإيقاع العادة يطرح إشكالاً أعمق: هل يكفي تعليق الحاجة البيولوجية لتفكيك أنماط الاستلاب الأكثر تعقيدًا، تلك التي تتخفى في صورة رغبات رمزية كحب السيطرة أو التملك أو التمركز حول الذات؟ أم أن الصيام، في غياب تأطير معرفي وتربوي، يظل محصورًا في حدود التمرين الجسدي دون أن يبلغ تخوم التحرر الوجودي؟

في هذا السياق، يتجاوز الصيام كونه ممارسة فردية ليغدو تمرينًا على إعادة امتلاك الذات، بما يمهّد لإمكانية نقل هذا الامتلاك من الحيز الشخصي إلى المجال العام، حيث تُختبر الإرادة لا في قدرتها على الامتناع فحسب، بل في قدرتها على الفعل المسؤول.

ثانياً: التقوى بين التجربة الباطنية والتمظهر المؤسسي — نحو رأسمال أخلاقي فاعل
متى تتحول التقوى من إحساس داخلي عابر إلى بنية قادرة على إنتاج السلوك المنضبط؟ وكيف تنتقل من حيز الوجدان إلى فضاء الفعل حيث تُقاس بآثارها لا بنياتها الشعورية؟

لا يمكن استيعاب التقوى في بعدها المقاصدي إذا أُبقيت حبيسة التعريفات الوعظية التي تختزلها في الخشية أو الورع؛ إذ إن وظيفتها الأعمق تكمن في كونها آلية تحويلية تعيد توجيه الفعل الإنساني وفق منطق قيمي مستقر. فهي، بهذا المعنى، ليست مجرد حالة نفسية، بل نمط انتظام داخلي ينعكس في انتظام خارجي.

غير أن هذا التحول لا يحدث تلقائيًا، بل يمر عبر وسائط مركبة تتداخل فيها التربية مع البنية الاجتماعية ومع الإطار المؤسسي. فالتقوى التي لا تجد ما يسندها في الواقع تتحول إلى خطاب أخلاقي معلق، بينما التقوى المؤطرة ضمن نظم العمل والمعايير المهنية تكتسب قابلية الاستمرار والتأثير.

هنا يتبدى توتر خفي بين نموذجين: نموذج يكتفي بتمجيد البعد الروحي بوصفه غاية مكتفية بذاتها، ونموذج آخر يسعى إلى ترجمة هذا البعد إلى فاعلية اجتماعية ملموسة. وبين النموذجين، يظل السؤال معلقًا في بنية التجربة: هل يمكن الحديث عن تقوى حقيقية لا تترك أثرًا في نظام العمل، في احترام الوقت، في صيانة الحقوق، وفي بناء الثقة داخل المجال العام؟

ثالثاً: من الطقس إلى البنية — جدلية الهوية والفاعلية في سياق الاغتراب
كيف تحافظ الجماعة على تماسكها القيمي دون أن تنغلق، وكيف تنفتح على محيطها دون أن تذوب؟ وأي دور يمكن أن تؤديه الشعائر في هذا التوازن الدقيق؟

في سياقات الاغتراب، حيث تتعرض الهوية لضغوط مزدوجة بين الانعزال والانصهار، تكتسب العبادات بعدًا يتجاوز وظيفتها الفردية لتغدو أدوات تنظيمية لإعادة إنتاج الجماعة. فالصلاة، بما تفرضه من إيقاع زمني صارم، لا تعيد فقط ربط الفرد بالمطلق، بل تعيد ضبط علاقته بالزمن، مانعةً انزلاقه في سيولة الحياة المعاصرة. إنها ليست لحظة انسحاب من الواقع، بل لحظة إعادة تموضع داخله.

أما الزكاة، فتتحول من مجرد التزام مالي إلى آلية لإعادة توزيع الثقة قبل الثروة، بما يساهم في بناء شبكة تضامن تحمي الجماعة من التفكك. غير أن هذا التحول من المبادرة الفردية إلى الفعل المؤسسي يظل رهينًا بقدرة الجماعة على تأطير مواردها ضمن رؤية تنظيمية تتجاوز العفوية.

في المقابل، يكشف الواقع عن مفارقة حادة: التزام شعائري مرتفع يقابله في أحيان كثيرة اختلال في السلوك العام. هنا يتسلل سؤال مقلق إلى عمق البنية: كيف يمكن لطقوس تضبط أدق تفاصيل اليوم أن تعجز عن ضبط أبسط مقتضيات الأخلاق؟ وأي خلل يصيب العلاقة بين العبادة والسلوك حين تتحول الأولى إلى غطاء رمزي لا يمنع الانزلاق في أنماط سلوكية مدمرة، من الاعتداء اللفظي إلى الانحرافات الاجتماعية الأكثر حدة؟

إن هذا الانفصام لا يمكن تفسيره اختزالاً بضعف الإرادة، بل يكشف عن خلل بنيوي في طريقة تمثل الدين ذاته، حيث يُفصل بين بعده الطقوسي وبعده القيمي، فيتحول إلى منظومة مجتزأة تفقد قدرتها على إنتاج إنسان متوازن.

خاتمة: ما بعد رمضان — هل تبدأ الحرية أم ينتهي التمرين؟
عند تخوم العيد، حيث تنقضي لحظة الامتناع ويعود الإيقاع اليومي إلى طبيعته، يتكشف الامتحان الحقيقي للتجربة الرمضانية: هل كان الصيام تدريبًا عابرًا سرعان ما تتبدد آثاره، أم كان تأسيسًا لحرية أعمق قادرة على الاستمرار خارج شروطه الزمنية؟

إن الرهان المقاصدي للصيام لا يتحقق في لحظة الانضباط المؤقت، بل في قدرته على إنتاج إنسان يحوّل ما راكمه من وعي وإرادة إلى سلوك مستدام، ينعكس في عمله، في علاقاته، وفي حضوره داخل المجتمع. عندها فقط يغدو الزمن التعبدي أفقًا مفتوحًا لا دورة مغلقة، وتتحول العبادة من ممارسة زمنية إلى بنية وجودية.

ويبقى السؤال، بما يحمله من ثقل معرفي وأخلاقي، معلقًا في أفق التجربة الإنسانية: هل يخرج الإنسان من رمضان وقد امتلك ذاته بما يكفي ليكون فاعلًا في العالم، أم أنه يعود، على نحو غير معلن، إلى نفس الدائرة التي حاول، مؤقتًا، أن يتحرر منها؟

اللهم اجعل ختام صومنا لشهر رمضان بدايةً لوعينا المستنير، ونهايةً لغفلتنا عن مقاصد شرعك. اللهم بصّرنا بالحكمة في خلقك، واجعلنا من المتقين الذين يمشون في الأرض بالصلاح، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً يعلو على ضجيج التنطع والجهل والغلو. اللهم بارك في مساجدنا وجاليتنا في إيطاليا وباقي الدول الاخرى، واجعلنا أمةً تيسر ولا تعسر، وتبشر بجمال الإسلام وعقلانية أحكامه.. آمين يا رب العالمين.

Ahame Elakhbar | أهم الأخبار

جريدة أهم الأخبار هي جريدة مغربية دولية رائدة، تجمع بين الشمولية والمصداقية، وتلتزم بالعمل وفقًا للقانون المغربي. تنبع رؤيتها من الهوية الوطنية المغربية، مستلهمة قيمها من تاريخ المغرب العريق وحاضره المشرق، وتحمل الراية المغربية رمزًا للفخر والانتماء. تسعى الجريدة إلى تقديم محتوى يواكب تطلعات القارئ محليًا ودوليًا، بروح مغربية أصيلة تجمع بين الحداثة والجذور الثقافية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا