
دخل الشرق الأوسط في مقامرة الوجود الكبرى، حيث لم تعد اللعبة تتعلق بنفوذ إقليمي أو بضع مسيرات انتحارية، بل بصياغة جغرافية سياسية جديدة تُكتب بالدم والنار في ربيع 2026. في هذا المشهد السريالي، تبدو طهران كأنها تتلقى ضربات “المطرقة والسندان”؛ فبينما تواصل المقاتلات الإسرائيلية والأمريكية تمزيق أوصال البنية التحتية للحرس الثوري ومواقع تخصيب اليورانيوم، وصل التصعيد إلى “الخطوط الحمراء” للطاقة باستهداف حقل “بارس الجنوبي” والمنشآت الغازية في بوشهر وعسلوية، وهو ما فجّر برميلاً من البارود كان العالم يخشى اقترابه منه. هذا التحول العسكري، الذي نأى الرئيس ترامب بنفسه علنياً عن بعض تفاصيله خاصة ضربات الغاز لتهدئة الناخب الأمريكي، كشف عن تصدع في التنسيق “الأنجلو-إسرائيلي” حول المدى الذي يمكن أن تذهب إليه تل أبيب في حرق أوراق الطاقة العالمية عبر عملية “الأسد الزائر” التي استخدمت فيها قنابل GBU-57 الخارقة للحصون لسحق مفاعلي “نطنز” و”فوردو” اللذين سُحقا تماماً بحسب التقارير الميدانية.
وعلى وقع النيران المشتعلة، لم تتردد طهران في تفعيل عقيدة “الدمار المتبادل”، حيث لم تعد تفرق في ردودها بين القواعد الأمريكية والمنشآت الحيوية في دول الجوار. الهجمات الأخيرة التي طالت مرافق “رأس لفان” في قطر وأجزاء من البنية النفطية في السعودية والإمارات عبر صواريخ “فتاح” الفرط صوتية، وضعت العواصم الخليجية أمام اختبار الصمود المستحيل؛ فالحياد الذي حاولت التمسك به بات يغرق في مياه الخليج مع السفن والناقلات المعطلة عند مضيق هرمز الذي تحول إلى “منطقة موت” ملاحية وفقدت فيه الملاحة الدولية أمانها. وبينما يتحدث وزير الخزانة الأمريكي عن خطط طارئة لضخ ملايين البراميل من “النفط الإيراني المحتجز” لتهدئة الأسعار التي تراقصت فوق حاجز 116 دولاراً، تبدو هذه المسكنات غير ذات جدوى أمام حقيقة أن الممر المائي الأهم في العالم أصبح منطقة قتل محرمة، مما يهدد بانهيار سلاسل الإمداد بنسبة 3% وفق تقديرات صندوق النقد الدولي، وسط ارتفاع جنوني في أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة تجاوز 4 دولارات للجالون.
الموقف العربي اليوم يتجاوز حدود التنديد؛ فالرياض والقاهرة وعواصم أخرى باتت تدرك أن سقوط النظام في إيران أو انكساره التام لن يمر دون دفع “فاتورة الفوضى” التي قد تطول الجميع، خصوصاً مع رصد تحركات شعبية واحتجاجات داخل المدن الإيرانية الكبرى نتيجة الفراغ القيادي واغتيال الرموز المحورية. وبينما تتوغل القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان لتأمين حدودها الشمالية، تبدو المنطقة وكأنها تسير في نفق مظلم لا ضوء في آخره سوى وهج الانفجارات. القوى الكبرى، بما فيها الصين التي بدأت بتحريك قطع بحرية نحو بحر العرب بحجة حماية ناقلاتها، تهدد بصدام مباشر مع الأسطول الخامس الأمريكي، مما يضع العالم على شفا صدام دولي كوني يعيد رسم خريطة القوى العظمى.
إن القراءة المتأنية لهذا المشهد الجيوسياسي المتفجر تقودنا إلى توقع صادم ومخيف: المنطقة لا تسير نحو “انتصار” طرف على آخر، بل نحو “الثقب الأسود لسيادة الدول”؛ حيث ستؤدي ضربات المرحلة القادمة إلى انقطاع رقمي وطاقي عالمي لم يشهده البشر منذ اختراع الكهرباء نتيجة التهديد باستهداف كابلات الإنترنت البحرية تحت مضيق باب المندب. إن النصر في هذه المعركة لن يُقاس بعدد المدن التي ستسقط، بل بقدرة الدول على منع تحول شعوبها إلى “جيوش من اللاجئين” في ظل اختفاء الغذاء والطاقة. التوقع الأرجح هو أن النظام الإيراني، قبل لحظة الغروب المحتومة، سيعمد إلى “تأميم الفوضى” عبر تفجير ما تبقى من آبار النفط الكبرى، مما سيؤدي إلى قفزة جنونية للأسعار تلامس 180 دولاراً. الخاتمة الصادمة هي أن المشهد الختامي لعام 2026 لن يكون احتفالاً بالنصر، بل ولادة “ميليشيات طاقية” تسيطر على المنشآت المحطمة، في عالم سيتذكر هذه الحرب بأنها اللحظة التي انتحرت فيها العولمة على عتبات الشرق الأوسط، لتكون الخريطة القادمة هي “خريطة الجياع والغاضبين” حيث يسود منطق البقاء للأقوى فقط.




