
تعتبر دولة الإمارات العربية المتحدة في العصر الحديث معجزة حضارية لم تكتفِ ببناء الشواهق، بل استثمرت في بناء الإنسان وفكره، وفي قلب هذا الاتحاد الشامخ تبرز إمارة الشارقة كعاصمة أبدية للثقافة العربية والإسلامية، بفضل الرؤية الثاقبة والحكيمة لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، الذي يمثل نموذجاً فريداً للقائد الأديب والمؤرخ الموسوعي والشاعر الذي سخر فكره وجهده لخدمة الكلمة والقلم، حيث لم تكن الشارقة في عهده مجرد مدينة، بل تحولت إلى مشروع ثقافي عالمي متكامل يجمع بين الأصالة والحداثة، وقد تجلى هذا الدور الريادي في حرص سموه الشخصي على إطلاق المبادرات التي تعيد للأمة العربية بريقها الأدبي، ومنها تأسيس بيوت الشعر في مختلف الأقطار العربية لتكون ملاذاً للمبدعين، وإطلاق المعجم التاريخي للغة العربية الذي يعد إنجازاً لغوياً غير مسبوق يوثق ذاكرة لغتنا الضاربة في القدم، وباعتباره أديباً ومؤرخاً من الطراز الرفيع، فقد أثرى سموه المكتبة العربية بعشرات المؤلفات التي بلغت آفاقاً عالمية وترجمت لعدة لغات، ومن أبرزها في مجال السيرة والتاريخ كتاب “سرد الذات” الذي يروي فيه سموه بأسلوب أدبي شيق مراحل تكوينه الفكري وشغفه بالعلم، وكتاب “حديث الذاكرة” بأجزائه الثلاثة التي توثق مسيرة بناء إمارة الشارقة وتطورها، بالإضافة إلى مؤلفاته التاريخية الرصينة التي صححت المفاهيم المغلوطة عن تاريخ الخليج مثل “تحت راية الاحتلال” و”صراع القوى والتجارة في الخليج” و”أسطورة القرصنة العربية في الخليج” و”بيان للمؤرخين الأماجد في براءة ابن ماجد”، أما في المسرح فقد قدم سموه روائع فلسفية وتاريخية تحاكي واقع الأمة مثل مسرحية “عودة هولاكو” و”القضية” و”الواقع صورة طبق الأصل” و”النمرود” و”داعش والغبراء”، وهي أعمال تعكس عمق الرؤية السياسية والاجتماعية لسموه، وفي ميدان الشعر يبرز سموه شاعراً مرهف الإحساس ينسج من الحروف عوالم من الجمال والوجدان الوطني والإنساني، حيث تفيض قصائده بحب الأرض والتمسك بالقيم العربية الأصيلة، ولم يتوقف عطاء سموه عند التأليف بل امتد ليشمل رعاية المهرجانات الثقافية الكبرى كأيام الشارقة المسرحية ومعرض الشارقة الدولي للكتاب الذي بات قبلة للمثقفين من شتى بقاع الأرض، إن هذا الإشعاع الثقافي الذي تقوده الشارقة برعاية سموه هو تجسيد لرسالة إنسانية سامية تؤمن بأن الثقافة هي الجسر الحقيقي للتواصل بين الشعوب، وهي الحصن المنيع الذي يحمي الهوية الوطنية، فغدت الشارقة في عهده الميمون واحة غناء يستقي منها الباحثون عن المعرفة والجمال، وتستمر في دورها التاريخي كمركز عالمي يبث قيم التسامح والارتقاء الفكري، مما جعل اسم سلطان القاسمي مقترناً دوماً بالنهضة الأدبية والشعرية التي تفتخر بها الأجيال، مؤكداً للعالم أجمع أن الحكم الرشيد هو الذي يستند إلى العلم ويسترشد بنور الثقافة والآداب.







