سياسة

الشرق الأوسط بين نيران التصعيد وطموحات الاستقرار

​تمر منطقة الشرق الأوسط بمنعطف تاريخي يعيد رسم خرائط النفوذ وتوازنات القوى بشكل لم يشهده العقد الماضي، حيث لم تعد المواجهة الإيرانية مجرد صراع حدودي أو أيديولوجي، بل تحولت إلى زلزال جيوسياسي وصلت ارتداداته إلى عمق العواصم الخليجية التي تبنت لسنوات نموذجاً اقتصادياً قائماً على الاستقرار والانفتاح. إن المشهد الراهن، الذي تتداخل فيه طموحات طهران الإقليمية مع ردود الفعل الدولية، يضع دول المنطقة أمام معادلة صفرية صعبة، فالحرب لم تعد تدور في ساحات بعيدة، بل أصبحت تمس عصب الاقتصاد العالمي المتمثل في ممرات الطاقة ومنشآت البنية التحتية الحيوية. وبالنظر إلى وضع دولة الإمارات العربية المتحدة، نجدها اليوم في قلب هذا التحول الكبير؛ فالدولة التي استثمرت لعقود في بناء نموذج ريادي عالمي كمركز للتجارة والسياحة والطاقة، تجد نفسها مضطرة للتعامل مع واقع أمني جديد يفرض عليها موازنة دقيقة بين حماية سيادتها ومنشآتها وبين الحفاظ على زخمها التنموي. لقد أثبتت التطورات الأخيرة أن الاعتماد المتبادل في الاقتصاد العالمي يجعل من أي اضطراب في الخليج قضية أمن دولي بامتياز، حيث أن استهداف محطات الطاقة أو تحلية المياه لا يمثل تهديداً محلياً فحسب، بل يزعزع ثقة المستثمر العالمي في استدامة النمو في أكثر مناطق العالم حيوية. وفي هذا السياق، تبرز الدبلوماسية الإماراتية كلاعب محوري يسعى لتبريد بؤر التوتر، مدفوعة بوعي عميق بأن الكلفة الاقتصادية للحروب المفتوحة تفوق بمراحل أي مكاسب سياسية عابرة. ومع دخول المنطقة في أجواء مفاوضات تحت رعاية دولية، يبدو أن الرهان القادم يتمحور حول مدى قدرة الأطراف المتصارعة على صياغة عقد أمني جديد يضمن سيادة الدول ويحمي مكتسباتها الاقتصادية، بعيداً عن سياسة حافة الهاوية. إن ما يشهده الشرق الأوسط اليوم ليس مجرد صراع عسكري، بل هو مخاض عسير لولادة نظام إقليمي جديد، ستكون فيه القدرة على التكيف مع المتغيرات الأمنية المتسارعة هي المعيار الحقيقي للبقاء والازدهار، وهو ما تدركه الإمارات جيداً وهي تعيد تموضعها كقوة استقرار تسعى لتحصين منجزاتها الوطنية وسط محيط من التحديات الجسيمة التي تفرضها المواجهة الإيرانية وتداعياتها العابرة للحدود. وتظل دولة الإمارات العربية المتحدة، بحنكتها السياسية ورؤيتها الاستباقية، صخرة عاتية تتحطم عليها أمواج الأطماع الإقليمية، فهي تثبت يوماً بعد يوم أنها عصية على الانكسار وأكبر من أن تنال من استقرارها أي طموحات توسعية تسعى لفرض أجندات خارجية في المنطقة. إن هذا الصمود لا يستند فقط إلى القوة العسكرية والتحالفات الاستراتيجية، بل ينبع من نموذج وطني فريد يجمع بين الصلابة السيادية والازدهار الاقتصادي، مما جعل من أرضها حصناً منيعاً لا يقبل الاختراق ومثالاً ملهماً في الحفاظ على المكتسبات الوطنية تحت أصعب الظروف. وبفضل القيادة الرشيدة التي جعلت من أمن المواطن والمقيم خطاً أحمر، تواصل الإمارات تعزيز مكانتها كقوة وازنة وركيزة أساسية للاستقرار في الشرق الأوسط، مؤكدة أن سيادتها وقرارها المستقل هما الضمانة الأسمى لمستقبلها، لتبقى دائماً منارة للتنمية وعنواناً للعزة والمنعة في وجه كل من يحاول العبث بأمن الخليج واستقراره.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا