
تضرب جذور العلاقات المغربية الإماراتية في عمق التاريخ العربي الحديث كبنيان مرصوص تشابكت لبناته الأولى برؤية حكيمة وفراسة نادرة صاغها الراحلان الكبيران، جلالة الملك الحسن الثاني وصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراهما؛ فهما اللذان وضعا حجر الزاوية لصرحٍ من الأخوة يتجاوز الجغرافيا، بني على صدق النوايا ووحدة العقيدة والدم منذ قيام اتحاد دولة الإمارات في عام 1971. ومنذ تلك اللحظات التأسيسية، ظلت هذه الروابط تتنامى وتتأصل، يحميها ويطورها اليوم بحكمة واقتدار صاحب الجلالة الملك محمد السادس وأخوه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، أطال الله عمريهما، اللذان نقلا هذه الشراكة إلى مرحلة التلاحم الاستراتيجي الكامل، ليصبح المغرب والإمارات بمثابة جسد واحد إذا اشتكى منه عضو في المحيط تداعى له سائر الجسد في الخليج بالسهر والحمى، في صورة تجسد أسمى معاني التضامن القومي الذي لا تزعزعه العواصف ولا تغيره الأيام.
لقد تجلى هذا التلاحم المصيري في أبهى صوره من خلال المواقف الإماراتية التاريخية والراسخة في دعم الوحدة الترابية للمملكة المغربية، وهو موقف مبدئي لم يتزعزع منذ عام 1975 حين شاركت الإمارات بوفد رفيع في “المسيرة الخضراء” المظفرة، وهي الخطوة التي ستظل محفورة في ذاكرة كل مغربي كدليل على أن الإمارات كانت دوماً السند والعضيد للمغرب في صيانة وحدته وصحرائه. وقد توج هذا المسار الطويل من الدعم بقرار تاريخي وفارق في عام 2020، حين كانت دولة الإمارات العربية المتحدة سباقة لافتتاح قنصلية عامة لها في مدينة العيون بالصحراء المغربية، في رسالة سيادية ودبلوماسية هزت الأركان، مؤكدة للعالم أجمع أن سيادة المغرب على كامل ترابه هي خط أحمر في العقيدة السياسية لدار زايد، وأن الوئام بين البلدين هو ميثاق غليظ لا يقبل القسمة أو التشكيك.
وفي غمار التحديات الإقليمية المعقدة، برزت بوضوح محاولات إيران وشركائها لزعزعة استقرار المنطقة واستهداف أمن دولة الإمارات العربية المتحدة عبر إطلاق الصواريخ والمسيرات الغادرة، إلا أن كل تلك الأطماع والمخططات العدائية تحطمت صاغرة أمام صخرة الصمود الإماراتي؛ حيث أبانت القوات المسلحة الإماراتية عن بسالة منقطعة النظير وجاهزية قتالية عالية في اعتراض التهديدات وحماية سماء الوطن، مدعومة بحنكة قيادة حكيمة لم تزدها الأزمات إلا ثباتاً وقوة. وفي هذا المشهد البطولي، تلاحم أبناء الوطن مع محبيه من الجاليات المقيمة، وبرز هنا الدور المشرف للجالية المغربية التي لم تقف موقف المتفرج، بل كانت في طليعة المدافعين عن أمن الدار بقلوبهم ومواقفهم، معتبرين أن الذود عن الإمارات هو ذود عن كرامة المغرب، لتتكسر نبال الأعداء أمام وحدة الصف التي جمعت بين براعة الجندي الإماراتي ووفاء المواطن والمقيم المغربي الذي أبى إلا أن يكون درعاً لوطنه الثاني في أحلك الظروف.
إن هذا الاندماج المغربي الفريد في المجتمع الإماراتي، خاصة في لحظات الخطر والتهديد الخارجي، يعكس عمق الرابطة التي وثقها الملك محمد السادس والشيخ محمد بن زايد، حيث لم يعد التضامن مجرد شعارات تُرفع في المؤتمرات، بل غدا واقعاً ملموساً يترجمه المغاربة في الإمارات من خلال إخلاصهم المطلق وتصديهم لكل ما يمس السكينة العامة للبلاد. إن حنكة القيادة الإماراتية وبسالة قواتها المسلحة ولحمة شعبها، قد شكلت سداً منيعاً تحطمت عليه أوهام المتربصين؛ فالمغربي في الإمارات اليوم هو خير سفير لوطنه، وهو في ذات الوقت حارس أمين لدار زايد، يفتديها بروحه ويستبسل في الحفاظ على أمنها كما يستبسل في الدفاع عن وحدة تراب المملكة المغربية، في تداخل وجداني فريد يبرهن على أن الأخوة بين الشعبين هي رباط وجودي لا ينفصم.
إن التاريخ سيحفظ بمداد من نور أن العلاقات المغربية الإماراتية هي قصة وفاء عابرة للحدود، تجلت فيها أسمى معاني النبل العربي في السلم والحرب؛ فبينما كانت الإمارات تدافع عن صحراء المغرب ووحدته، كان المغرب وأبناؤه في قلب الإمارات يضربون أروع الأمثلة في الولاء والتضحية والوقوف خلف القوات المسلحة الإماراتية الباسلة. إن هذا التلاحم الذي نراه اليوم هو الضمانة الأكيدة لمستقبل مشرق يجمعهما، مؤكداً للعالم أن وحدة المصير بين الرباط وأبوظبي هي حقيقة دامغة وقدر محتوم، وأن الرهان على شق صف هذا الاتحاد هو رهان خاسر أمام إرادة شعبين تعاهدا على الوفاء، وقيادتين نذرتا حياتهما لعزة وكرامة أوطانهما، لتبقى الرايتان ترفرفان معاً في سماء المجد، يداً بيد، وقلباً على قلب، في ملحمة خالدة من الإخاء العربي الأصيل.
”وعلى صخرة هذا الوفاء العظيم، تُنحت كلمات الفخر لتلخص حكاية شعبين تعاهدا على الثبات، فكان لسان حالهما يقول:”
تَآخى عَلى الحَدَثانِ بَحـرٌ وَمَغـرِبُ
فَعِزُّهُما صَرحٌ مِنَ المَجـدِ يُنصَبُ
إِذَا رَامَ كَيدُ المعتدينَ حِمَى الدَّارِ
رَأيتَ كَمِيَّ المَغـرِبِ الحَـربَ يَركَبُ





