عالم المرأة

أسرار العرس الريفي وطقوس زينة العروس المغربية

يمثل العرس في ريف المغرب لوحة إنسانية بديعة تنبض بالأصالة وتختزل تاريخاً طويلاً من العادات والتقاليد التي توارثتها الأجيال بكثير من الفخر والاعتزاز. في هذه الربوع الشامخة، لا يعد الزفاف مجرد مناسبة عائلية عابرة، بل هو احتفال جماعي تشارك فيه القبيلة بأكملها، حيث تُفتح البيوت وتُفرش الساحات لاستقبال الضيوف على وقع أهازيج “الإيزران” الريفية الساحرة، وهي أشعار محلية ترتجلها النساء للتعبير عن الفرح ومباركة هذا السيل الجارف من المودة. وتبدأ الطقوس قبل ليلة الدخلة بأيام، حيث تجتمع نساء العائلة والجارات في أجواء احتفالية لتهيئة العروس وإعدادها للحدث الأبرز في حياتها. وتعتبر ليلة “الحناء” المحطة الأكثر عاطفية في العرس الريفي، إذ تُخضب يدا ورجلا العروس بنقوش هندسية دقيقة تحرص “النقاشة” على إتقانها، مستلهمة رموزها من الثقافة الأمازيغية القديمة التي ترمز إلى الخصوبة، والنماء، وطرد الطاقة السلبية. وفي يوم الزفاف المشهود، تتجلى خصوصية الزينة الريفية في أبهى صورها؛ حيث ترتدي العروس “المنصورية” أو التكشيطة البيضاء المصنوعة من أقمشة رفيعة، وتُزين بقطع حلي فضية تقليدية ضخمة وثقيلة الوزن، تشمل “الخلالات” التي تثبت الرداء، والأساور العريضة، وقلادات المرجان واللوبان الحر التي تضفي هالة من الوقار الملكي. أما وجه العروس، فيُزين بلمسات تحافظ على الهوية المحلية، حيث يُستخدم “الكحل” الطبيعي لإبراز جمال العينين، وتُخضب الشفاه بـ “السواك”، بينما يُغطى رأسها بـ “السبنية” وهي وشاح حريري ملون، يتدلى فوقه “الجوهر” وشلالات من الفضة المنسابة التي تحجب وجهها جزئياً عن الأنظار صوناً لحيائها وطهارتها في هذا اليوم المشهود. وحين تزف العروس إلى بيت زوجها، تُحمل على أكتاف الرجال أو على ظهر فرس مطهم وسط زغاريد النساء وطلقات البارود التي تهز الجبال، لتنتقل إلى حياتها الجديدة وهي تحمل بركة الطقوس الريفية وعمق الروابط الأسرية التي تجعل من هذا العرس ملحمة ثقافية تأبى الاندثار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا