عالم المرأة

أسرار الزينة الفاسية في الأعراس المغربية أصالة وتاريخ يتوارثه الأجيال

​تختزل التقاليد الموروثة عن الفاسيات في التزيين والتجمل خلال العرس المغربي إرثاً حضارياً ضارباً في القدم، يعكس عمق الثقافة الأندلسية والمغربية العريقة التي امتزجت في حاضرة فاس العلمية، حيث تشكل هذه الطقوس لوحة فنية متكاملة تتناقلها الأجيال بكثير من الفخر والاعتزاز. وتؤكد الدراسات التاريخية والأنثروبولوجية المهتمة بالتراث المغربي، ومنها كتابات المؤرخين الذين وثقوا للعادات والتقاليد في شمال إفريقيا، أن زينة العروس الفاسية ليست مجرد بهرج عابر، بل هي طقس احتفالي منظم تحكمه قواعد دقيقة تشرف عليها “النكافة”، وهي السيدة الخبيرة التي تحفظ أسرار هذا التراث وتفاصيله. وتبدأ هذه الطقوس قبل يوم الزفاف بليالٍ عبر “الحمام المغربي التقليدي” الذي يعتمد على مستحضرات طبيعية متوارثة كالغاسول الممزوج بماء الورد والأعشاب العطرية، تليها ليلة “الحناء” التي تعد رمزاً للتفاؤل والبركة، حيث تُنقش يدا ورجلا العروس برسومات هندسية دقيقة تعتمد على خطوط متقاطعة مستوحاة من الفن الإسلامي والمعمار الفاسي، وهو ما يختلف عن النقش الفاسي المعاصر والأشكال النباتية الشائعة اليوم. أما ذروة هذا التجمل فتتجلى في “اللبسة الفاسية” أو “اللبسة الكبيرة”، وهي الزي الرسمي الذي ترتديه العروس وتتميز بثقلها وفخامتها، حيث تصنع من قماش “البروكار” الحريري المنسوج بخيوط الذهب الخالص، والمعروف محلياً بـ “الخريب”، وهي كسوة تاريخية أكدت الأبحاث المهتمة بالأزياء التقليدية أنها تعود لجذور أندلسية استقرت في فاس وتطورت مع الزمن. ويرافق هذا الزي طاقم حلي ذهبي أثري مرصع بالأحجار الكريمة كالمرجان والزمرد، يشمل “التاج الفاسي” العالي الذي يوضع على الرأس، و”اللبة” وهي قلادة ضخمة تغطي الصدر، بالإضافة إلى “الخرس” والأساور العريضة، مما يجعل العروس تبدو كملكة متوجة من العصور الوسطى. ولا يكتمل هذا الطقس الجمالي إلا بوضع “العمارية”، وهي الهودج الخشبي المذهب الذي تُحمل فيه العروس على أكتاف الرجال لتطوف بين المدعوين، في مشهد احتفالي مهيب يجسد أسمى مظاهر التكريم والتبجيل للمرأة الفاسية في ليلة عمرها، ليظل هذا التراث الجمالي شاهداً حياً على عبقرية الصناعة التقليدية المغربية وقدرتها على الصمود في وجه الحداثة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا