
يعيش الشارع المغربي هذه الأيام على وقع نقاش مجتمعي محتدم، تذكي نيرانه الارتفاعات القياسية وغير المسبوقة في أسعار أضاحي عيد الأضحى؛ وهو غلاء فاحش بات يهدد الاستقرار النفسي والمادي للكثير من الأسر المغاربية ذات الدخل المحدود والمتوسط، والتي وجدت نفسها بين مطرقة العادات والتقاليد المجتمعية، وسندان واقع معيشي معقد. وفي ظل هذه الطفرة الصادمة في الأسعار، يستدعي العقل والدين وقفة تأمل عميقة تعيد الأمور إلى نصابها الشرعي الصحيح، بعيداً عن ضغوط المظاهر والتباهي الاجتماعي، فالأصل في الإسلام هو التيسير ورفع الحرج عن الأمة، وليس تكليف النفس ما لا تطيق.
إن تتبع الأسانيد الشرعية لـ«الأضحية» يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أنها سنة مؤكدة في حق القادر عليها وليست فريضة إلزامية، حيث يقول الله تعالى في محكم تنزيله: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}، كما يؤكد سبحانه وتعالى قاعدة عدم التكليف بما يفوق الطاقة البشرية في آية أخرى صريحة: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}. ومن هذا المنطلق الجلي، فإن إرهاق الكاهل بالديون أو بيع أثاث المنزل واقتراض مبالغ تفوق الطاقات لمجرد اقتناء كبش العيد، يعد خروجاً صريحاً عن مقاصد الشريعة الإسلامية السمحة التي جاءت لحفظ مصالح العباد وتخفيف الأعباء عنهم، لا سيما في أوقات الأزمات الاقتصادية الخانقة.
وتتجلى سماحة الدين الحنيف في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، حيث ثبت في الصحيح أن النبي الكريم ضحى بكبشين أملحين أقرنين، وقال في أحدهما: «اللهم هذا عن محمد وآل محمد»، وفي الثاني: «اللهم هذا عمن لم يضح من أمتي»، وفي هذا الحديث النبوي الشريف أعظم سند ومواساة لكل مسلم عاجز ماديًا، فقد كفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤونة الأضحية وشملته دعوته المباركة. كما يُروى بالأثر الصحيح عن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، أنهما كانا لا يضحيان في بعض السنوات خشية أن يظن الناس أن الأضحية واجبة حتمية، وهو درس بليغ في فقه الأولويات يوضح أن ترك السنة رفقاً بالنفس وقطعاً لدابر الحرج هو من عمق الفهم للدين.
إن التيسير لا يعني أبداً التقليل من شعائر الله، بل هو جوهر العبادة الخالصة التي لا تبتغي سوى وجه الله تعالى، إذ يقول عز وجل: {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ}؛ فالغاية هي التقرب والامتثال وليست المباهاة بحجم الأضحية أو سعرها وسط الجيران. ومن هنا، يوجه هذا المقال نداءً حاراً وخالصاً إلى القلوب والضمائر، بألا يتحول العيد من منبع للفرح والبهجة والسكينة إلى مصدر للمآسي والديون والهموم التي تلازم الأسر لشهور طويلة بعد انقضاء أيام العيد؛ فمن تيسرت أموره فليضح وليتصدق، ومن ضاقت به السبل فليعلم أن دينه يسر، وأن البيوت تُبنى على المودة والسكينة، لا على التكلف والشقاء.







