
عرفت الحضارات الإنسانية المتعاقبة ولعًا شديدًا بمحاولة استشراف المستقبل وفك رموز الغيب المستور، وكان من أغرب مظاهر هذا الولع اتجاه جماعات وأفراد عبر التاريخ إلى ابتكار نظم حسابية معقدة يزعمون من خلالها القدرة على تحديد تاريخ وفاة الإنسان وساعته، بناءً على دمج معطيات تاريخ ولادته، وطالع فلكه، وحساب الحروف المكونة لاسمه واسم أمه بما يعرف بـ “حساب الجمل”. وقد تغلغل هذا الفكر في تراث أمم شتى؛ فنجده في فلسفات الشرق القديم كالحضارة الصينية والهندية التي ربطت الأنفاس المقدرة للإنسان بمسارات النجوم وطاقة العناصر الخمسة، كما ظهر جليًا في الكابالا اليهودية، وانتقل عبر الترجمات القديمة إلى بعض المدارس الفكرية المنتسبة للتصوف الفلسفي والباطنية في التراث الإسلامي، حيث وضع بعضهم جداول معقدة وزيوجًا فلكية تدعي استخراج الآجال من ما يسمونه “نقطة العمر” أو “الهيلج والكدخداه” في التخطيط الفلكي للمولود. وكان هؤلاء الحاسبون يعتمدون على معادلات تجمع أرقام يوم الولادة وشهرها وسنتها، ثم يسقطونها على بروج الفلك السيّارة، زاعمين أن لكل إنسان دورة حياتية رقمية تنتهي عند تلاقي خطوط معينة في الحساب، وهو ما حوّل الأرقام في نظرهم من دلالات كمية رياضية إلى قوى غيبية تتحكم في الحياة والموت.
ومن أشهر الأمثلة التطبيقية التي ترويها كتب التراث والتنجيم القديمة عن كيفية إتمام هذه العملية الرياضية المزيفة، ما كان يُعرف بحساب “أدوار العمر الحيوية” الممزوج بحساب الجُمَّل الكبير؛ حيث يعمد الحاسب أولاً إلى تحويل حروف اسم الشخص واسم أمه إلى قيم عددية (مثل: الألف=1، الباء=2، الجيم=3… إلى الغين=1000)، فلو فرضنا أن اسم الشخص “علي” الوافق عددياً (110) واسم أمه “مريم” الوافق (290)، يكون مجموع الاسمين (400). ثم يأخذون تاريخ الولادة بالشهور والأيام، فلو ولد في اليوم الـ 15 من الشهر الـ 9 لعام معيّن، يجمعون هذه الأرقام (15 + 9 = 24)، ثم يدمجون الناتجين (400 + 24 = 424). بعد ذلك، يضربون هذا الناتج الإجمالي في عدد الدرجات الفلكية للطالع ساعة الولادة (ولتكن 12 درجة)، فينتج (5088). وفي الخطوة الأخيرة، يقسمون هذا الرقم الكبير على عدد “البيوت الفلكية الاثني عشر” أو على عدد سنين “الدور الطبيعي” البالغ 120 سنة في حسابات الأقدمين، فإذا قسمنا (5088 على 120) يكون الناتج (42) والباقي (48)؛ فيزعم المنجم هنا أن الشخص سيمر بأزمة وجودية قاتلة في سن الـ 42، وأن موته الحتمي سيكون عند بلوغه 48 سنة بناءً على الرقم المتبقي من القسمة، وهي تخرصات حسابية لا تعدو كونها تلاعباً بالرياضيات لمحاكاة علم الغيب.
أما في ميزان الدين الإسلامي، فإن هذا الصنيع يعد رجمًا بالغيب، ومنكرًا من القول يترجح بين دائرتي الشرك والضلال، إذ يقوم على منازعة الخالق سبحانه وتعالى في أخص صفاته وهي علم الغيب المطلق. وقد تضافرت الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة على إبطال هذه المزاعم وتجريم تصديقها؛ فمن القرآن الكريم يقول الله تعالى في سورة لقمان: “إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِمانِ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ”. فهذه الآية الكريمة نص قاطع في أن موعد الوفاة ومكانها من مفاتح الغيب الخمسة التي استأثر الله بها، فلا يعلمها نبي مرسل ولا ملك مقرب، فضلاً عن منجم أو حاسب يضرب في تخرصات الأرقام. كما يؤكد الوحي أن الآجال مقادير حتمية لا تتقدم ولا تتأخر بناءً على حركة كوكب أو ناتج عملية جمع وطرح، كما في قوله تعالى في سورة الأعراف: “فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ”. ومن السنة النبوية، جاء التحذير الصارم من إتيان هؤلاء الحاسبين والمنجمين وتصديقهم، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: “من أتى عرافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد”، ذلك أن ادعاء معرفة الوفاة عبر تاريخ الولادة هو عين العرافة والتنجيم المحرم، حتى وإن تدثر بعباءة الحساب الرياضي الخادع، فالأرقام مجرد أسباب ووسائل لا تملك في ذاتها نفعًا ولا ضرًا ولا كشفًا لغيب حجبته الحكمة الإلهية عن الخلائق أجمعين.







