اسلاميات

كيف استطاع محمد عليه السلام تغيير مجرى التاريخ البشري

​إن المتأمل في مسيرة البشرية وصيرورة الحضارات يقف مبهوتًا أمام ظاهرة استثنائية لم يجد لها مؤرخو الشرق ولا الغرب نظيرًا في عمق الأثر وامتداد الزمن، وهي ظاهرة النبوة الخاتمة وكيف استطاع النبي محمد صلى الله عليه وسلم، في غضون سنوات قليلة لا تتجاوز ثلاثة وعشرين عامًا، أن يؤسس بنيانًا عقائديًا وحضاريًا تمدد عبر القرون والآفاق، حتى بات يضم اليوم بين جنباته أكثر من ملياري مسلم يلهجون بذكره ويقتفون أثره في كل تفاصيل حياتهم. لم يكن هذا الانتشار الملياري العابر للأزمان والجغرافيا نتاج مصادفة تاريخية، ولا ثمرة لقوة مادية عابرة، بل كان تجليًا لإرادة إلهية صاغت هذا الرسول ليكون “الرحمة المهداة” كما وصف نفسه، وتصديقًا لقول الحق سبحانه في محكم التنزيل: “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”. لقد انبثقت هذه العظمة من حقيقة ما جاء به، والغاية التي سعى إليها، والنفع العظيم الممتد الذي أحدثه في بنية النفس البشرية والمجتمعات الإنسانية على حد سواء.
​لقد انطلق سر التصديق والقبول المطلق من شخصية الرائد الأول قبل دعوته؛ فقد صاغه الله عز وجل على عين التميز الأخلاقي، فكان “الصادق الأمين” في بيئة جاهلية تعلو فيها قيم العصبية والمصلحة، فلم يكن غريبًا أن تنصاع القلوب له قبل العقول، وتأتمنه النفوس على أسرارها وأموالها قبل أن تأتمنه على عقائدها. وعندما نزل الوحي، لم يأتِ بفلسفات غامضة أو نظريات نخبوية متعالية، بل جاء بالقرآن الكريم، المعجزة البيانية الخالدة التي خاطبت الفطرة البشرية بلغة تأسر الوجدان وتخضع لها أعناق الفصحاء؛ كما قال تعالى: “كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب”. كان الخطاب القرآني يحمل في طياته براهين صدقه، ممتزجًا بالخلق النبوي العظيم الذي اختصره الوصف الإلهي في قوله: “وإنك لعلى خلق عظيم”، وهو الخلق الذي تجلى في أحلك الظروف وأشدها قسوة، فكان الرفق والرحمة والصبر على الأذى مفاتيح القلوب المغلقة، مصداقًا لقوله تعالى: “فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك”.
​أما ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يكن مجرد طقوس تعبدية معزولة، بل كان ثورة تصحيحية شاملة أعادت ربط الأرض بالسماء، وصاغت رؤية كونية متكاملة للوجود. جاء بالتوحيد الخالص الذي يحرر العقل البشري من ربقة الخرافة والعبودية لغير الله، معلنًا أن البشر جميعًا سواسية لا تفاضل بينهم إلا بالتقوى والعمل الصالح، فكسر بتعاليمه قيود الطبقية والعنصرية التي كانت تكبل العالم، ورفع مكانة الإنسان باعتباره مستخلفًا في الأرض لعمرانها ونشر العدل فيها. وقد لخص الصحابي ربعي بن عامر هذه الرسالة التحريرية العميقة أمام رستم قائد الفرس بكلمات خلدها التاريخ حين قال: “الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام”. لقد جاء بملة حنيفية سمحة، تجمع بين متطلبات الروح وأشواقها، وبين حاجات الجسد ومطالبه، فلا رهبانية مفرطة تجفو الحياة، ولا مادية غارقة تطمس البصيرة.
​وكانت الغاية الأسمى من هذه الرسالة الشريفة هي إنقاذ البشرية من التيه والشقاء، وتحقيق السعادة في الدارين من خلال تكميل الفضائل وتشييد صرح الأخلاق الإنسانية، وهو ما اختصره الرسول الكريم في قوله الثابت: “إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق”. إن الغاية لم تكن بناء إمبراطورية سياسية أو نيل مكاسب دنيوية، بل كانت هداية الخلق وإخراجهم من ظلمات الجهل والشرك إلى نور العلم والإيمان، وبناء مجتمع إنساني يسوده القسط والرحمة، وتصان فيه الدماء والأعراض والأموال. لقد جعلت هذه الغايات من رسالته ملاذًا آمنًا لكل باحث عن الحقيقة، ولكل مستضعف يرجو العدل، ولكل حائر يطلب الطمأنينة النفسية والروحية، حيث يجد في منهج الإسلام إجابات شافية عن أسئلة الوجود الكبرى: من أين جئنا؟ ولماذا نحن هنا؟ وإلى أين المصير؟
​وينبثق النفع العظيم الذي جناه العالم من هذه النبوة في تحولها إلى طاقة إنتاجية وحضارية غيرت وجه الأرض؛ فالإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم نقل العرب من قبائل متناحرة تعيش على الهامش إلى أمة تقود قاطرة العلم والمعرفة والحضارة لقرون طويلة. لقد أحدث هذا الدين توازنًا دقيقًا بين العلم والإيمان، فكانت أول آية نزلت هي “اقرأ باسم ربك الذي خلق”، مما فجر ثورة علمية مباركة جعلت من المساجد والحواضر الإسلامية منارات يقصدها طلاب العلم من كل حدب وصوب. إن النفع الذي قدمه الإسلام للبشرية يتجلى في منظومة الحقوق الشاملة التي أرساها، حيث كفل حقوق المرأة وصان كرامتها، وحمى الضعفاء، وأسس لمفهوم التكافل الاجتماعي من خلال فريضة الزكاة، وضبط العلاقات الدولية في السلم والحرب على أسس من الأخلاق والوفاء بالعهود، حتى في أشد لحظات الصراع.
​إن هذا التدفق البشري الملياري نحو الإسلام، وإيمان ملايين العقول المفكرة عبر العصور بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، لم يكن ناتجًا عن إكراه أو تبعية عمياء، بل هو ثمرة لليقين العقلي والارتياح النفسي الذي يلمسه كل من درس سيرته وتعمق في شريعته. يرى فيه المفكرون والعلماء إعجازًا تشريعيًا يواكب كل زمان ومكان، ويرى فيه العباد والزاهدون قدوة سامية في التبتل والقرب من الله، ويرى فيه القادة والمصلحون نموذجًا فذًا في الإدارة والسياسة والعدل. إنه الإيمان الذي يستقر في الجنان فتصدقه الأفعال، حيث يجد المسلم في اتباعه للرسول ارتباطًا مباشرًا بخالقه، وشعورًا بالانتماء إلى أمة واحدة يجمعها لواء واحد، تتجاوز فيه حدود القوميات واللغات والبلدان، لتلتقي كلها عند حوض النبي الكريم، مستمسكة بالعهد الإلهي الخالد الذي لا يتبدل ولا يزول، محققة الوعد الرباني بظهور هذا الدين وخلوده ما دامت السماوات والأرض.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا