اسلاميات

​المهاجر الصبور عياش بن أبي ربيعة الثابت على الحق

​يعد الصحابي الجليل عياش بن أبي ربيعة المخزومي واحداً من أركان الرعيل الأول الذين واجهوا أعتى صور الابتلاء في سبيل العقيدة، وعلى الرغم من ثقل وزنه التاريخي، إلا أن ذكره غالباً ما يأتي في سياق عابر مقارنة بغيره من الصحابة، فهو الذي جمع بين شرف السبق إلى الإسلام وبين صلة القرابة الوثيقة بصناديد قريش، حيث كان ابن عم خالد بن الوليد وأخاً لأبي جهل من جهة الأم. تشير المصادر التاريخية الموثوقة، وفي مقدمتها “البداية والنهاية” لابن كثير و”الطبقات الكبرى” لابن سعد، إلى أن عياشاً كان يمتلك نفساً أبية لم تكن تقبل الضيم، فقد آمن بالرسالة النبوية في وقت كانت فيه مكة غابة من الظلم، وهاجر هجرتين، الأولى إلى الحبشة فراراً بدينه، ثم عاد ليهاجر إلى المدينة المنورة رفقة عمر بن الخطاب في رحلة اتسمت بالتحدي والوضوح. إن المنعطف الدرامي في حياته بدأ حينما استخدمت قريش ضده سلاح “العاطفة الأمومية”، إذ تبعه أبو جهل والحارث بن هشام إلى المدينة وأخبراه كذباً بأن أمه قد نذرت ألا يمس رأسها دهن ولا تستظل بشمس حتى تراه، فغلبته رقته الإنسانية وقرر العودة، وهناك تم الغدر به وتوثيقه بالحبال، وظل حبيساً في مكة لسنوات طويلة يُفتن في دينه ويُمنع من اللحاق بركب المسلمين، حتى كان النبي ﷺ يفرده بالذكر في قنوته كل فجر قائلاً “اللهم أنجِ عياش بن أبي ربيعة”، ليكون اسمه رمزاً للمستضعفين المحبوسين ظلماً. ويذكر ابن حجر في “الإصابة” أن عياشاً لم يكسر القيد إلا بعد جهود مضنية، حيث استطاع الفرار واللحاق بالمدينة بعد غزوة الخندق، ليشارك بعدها في فتح مكة وغزوات النبي المتأخرة بكل بسالة، معوضاً سنوات الحرمان من الجهاد بصمود أسطوري في الميادين. ولم تنتهِ مسيرة هذا البطل بوفاة الرسول ﷺ، بل انخرط في حروب الردة وفي الفتوحات الكبرى، حتى جاء يوم اليرموك العظيم، ذلك اليوم الذي تجلت فيه قمة التضحية، حيث وجد عياش صريعاً بين القتلى وهو في حالة من العطش الشديد، وحين قُدم له الماء ونظر إلى رفيق له بجانبه يتألم، رفض الشرب وأشار بإيثار الماء لغيره، فما وصل الماء للثالث حتى ماتوا جميعاً عطاشاً كراماً، لتطوى صفحة رجل عاش من أجل الآخرين، ومات وهو يضرب أروع الأمثال في الثبات على المبدأ والوفاء للرسالة، تاركاً للأجيال سيرة رجل فضّل عزة الإيمان على رغد العيش بين كبار قريش، فاستحق أن يخلده التاريخ كأحد عظماء الإسلام المجهولين لدى الكثيرين.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا