اسلاميات

فقه ترويح القلوب واستجمام النفوس في المنظور الإسلامي

تبحر الأرواح في ملكوت الاستجمام ترويحاً عن القلوب، فالحق الذي لا ريب فيه أن هذه النفوس البشرية ليست آلات صماء تُشحن بالواجبات والفرائض آناء الليل وأطراف النهار دون كلل، بل هي كائنات وجدانية تملُّ كما تملُّ الأبدان، وتظلمُ إذا أُكرهت، وتعمى إذا قُسِيَ عليها بالجد المحض. وإن من لطائف الشريعة الغراء وغوامض أسرارها التي قلما تجري بها ألسنة الوعاظ، أن الانبساط والمزاح والاستجمام ليس خروجاً عن جادة التدين، بل هو في صميمه وقودٌ للطاعة وحفاظٌ على توازن الفطرة، فقد كان المصطفى صلى الله عليه وسلم يمزح ولا يقول إلا حقاً، ويُسابق عائشة رضي الله عنها في الخلاء، ويمازح أصحابه حتى تظهر نواجذه، ليرسي قاعدة نبوية مفادها أن ساعة المناجاة وساعة الاستقامة لا بد لها من ساعة ترويحٍ تلمُّ شعث النفس وتجدد نشاطها، عملاً بقوله الخالد لحنظلة حين ظن أن الاستمتاع بالحياة نفاقاً: “ولكن يا حنظلة ساعة وساعة”.
​ولو تأملنا في تراثنا الإسلامي لوجدنا أن كبار الصحابة والتابعين، الذين شيدوا أركان الدولة وصانوا بيضة الدين، كانوا أبعد الناس عن العبوس والتكلف، فهذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، باب مدينة العلم وفارس النزال، يضع لنا دستوراً نفسياً عميقاً بقوله: “أجمّوا هذه القلوب، وابتغوا لها طرائف الحكمة، فإنها تملّ كما تملّ الأبدان”، وفي هذا إشارة واضحة إلى أن النفس إذا حُرمت من حظها من المباح واللطافة، انقلبت جِدِّيَتُها إلى سآمة، وإقبالها إلى إدبار. ولعل من أعجب الآثار التي رُويت في هذا الباب ما نقله البخاري في الأدب المفرد عن حال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، إذ وصفهم بأنهم كانوا “يتبادحون بالبطيخ” في أوقات فراغهم، فإذا نزل الحق ودعا داعي الجهاد أو العلم “كانوا هم الرجال”، وفي هذا دلالة صريحة على أن المروءة لا تتنافى مع الدعابة، وأن الهيبة لا تُصنع بتقطيب الجبين، بل بطهارة القلب وقوة العزيمة التي لا تستمر إلا برياضة النفس وترويحها.
​إن حكمة الخالق اقتضت أن يجعل في الاستجمام سراً من أسرار البقاء، فالمؤمن الذي يعطي نفسه نصيباً من طرائف الحكايا، أو جمال الطبيعة، أو مودة الأهل بمزاح مباح، إنما هو في الحقيقة يمارس عبادة خفية، لأنه يستعد بذلك لمهام عظام، ويقي نفسه غائلة “الاحتراق الروحي” الذي قد يدفعه إلى الغلو أو القنوط. وقد فطن الإمام الغزالي لهذا المعنى الدقيق حين أكد أن النفس إذا أُكرهت على الحق دائمًا استعصت، فكان لا بد من ترويضها بلذاتٍ مباحة تكسر حدة الإكراه، لتعود إلى الحق وهي طائعة مستبشرة. ومن هنا ندرك أن الإسلام دين الجمال والحياة، لا يرى في الابتسامة نقيصة، ولا في الانبساط خذلاناً، بل يراهما صمام أمان يحمي التدين من التحول إلى طقوس جامدة خالية من الروح، فالقلب المستريح هو الأقدر على الخشوع، والذهن المروح هو الأقدر على الإبداع، والإنسان البشوش هو الأقرب إلى قلوب الخلق، فسبحان من جعل في الترويح عن القلوب طاعةً، وفي انبساط النفوس سبيلاً لإعمار الأرض بالعلم والعمل والجمال

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا