اسلاميات

لماذا يستمر الخلاف التاريخي والعقائدي بين الشيعة والسنة وما هي جذور هذا العداء؟

​يعود جذر الانقسام بين السنة والشيعة إلى لحظة سياسية ودستورية بامتياز في التاريخ الإسلامي المبكر، وتحديداً فور وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في عام 11 هـ (632 م)، حيث برز الخلاف حول من يحق له قيادة الأمة الناشئة. يذكر المؤرخ ابن خلدون في مقدمته الشهيرة أن السلف من الصحابة اختلفوا في الإمامة، فجمهورهم رأى أنها مصلحة عامة تفوض إلى اختيار الأمة، وهو ما شكل نواة المذهب السني الذي اعتمد بيعة أبي بكر الصديق في سقيفة بني ساعدة، بينما ذهب شيعة علي إلى أن الإمامة ليست من المصالح العامة التي تفوض لنظر الأمة، بل هي ركن الدين وقاعدة الإسلام، ولا يجوز للنبي إغفالها، بل تعيين الإمام حق إلهي منصوص عليه، وأن علي بن أبي طالب كان هو المعين بالوصية. هذا التباين الجذري الأول لم يكن مجرد اختلاف عابر، بل أسس لشرخ بنيوي عميق؛ حيث يرى الفكر الشيعي، كما يعبر عنه الشيخ المفيد في كتابه “أوائل المقالات”، أن من جحد إمامة أحد من الأئمة الذين نصبهم الله فقد ضل وغوى، وفي المقابل, يرى علماء السنة، مثل الإمام التفتازاني في “شرح المقاصد”، أن نصب الإمام واجب على الخلق بالسمع لا بالنص، مما يجعل التخطئة الشيعية للصحابة الأوائل نقطة ارتكاز للعداء والقطيعة.
​هذا الانقسام العقدي والسياسي عمّقته مواقف أهل السنة والجماعة تجاه التشيع، ولا سيما الغلاة منهم، بناءً على تأصيل يرى في كثير من شعائرهم ومعتقداتهم خروجاً عن الجادة وإحداثاً في الدين ما ليس منه. ويستدل علماء السنة على ذلك بنصوص صريحة تحذر من البدع والمحدثات، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (رواه البخاري ومسلم)، وقوله: «إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة». ويرى المحققون من علماء السنة أن معتقدات مثل العصمة المطلقة للأئمة، والغلو في قبورهم وبناء الأضرحة عليها، وتقديم القرابين والنذر لها، وصيغ الاستغاثة بغير الله كقول “يا علي” أو “يا حسين”، هي بدع مغلظة تتصادم مع أصل التوحيد الذي نزل به القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18]. كما يرى الفكر السني في عقيدة “التقية” وتكفير أو تفسيق كبار الصحابة كأبي بكر وعمر، والطعن في عائشة رضي الله عنها، خروجاً على الإجماع وإبطالاً لشهادة القرآن في تزكيتهم في قوله تعالى: {لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} [الفتح: 18]. وفي المقابل، تبرز في سياق النقد التاريخي والسياسي اتهامات لرموز ومؤسسات هذا التيار بأنهم يوظفون المظلومية الرمزية والشعائر الدينية كغطاء لتحقيق مكاسب دنيوية، والبحث عن النفوذ، وجمع الثروات والأموال الطائلة عبر نظام “الخمس” المالي، مما يحول الصراع العقدي في كثير من محطاته إلى أداة للهيمنة السياسية والاقتصادية.
​وتفاقم هذا التوتر السياسي والفكري وتحول إلى جرح وجودي غائر مع استشهاد الحسين بن علي في معركة كربلاء عام 61 هـ (680 م) على يد جيش الدولة الأموية، وهي الحادثة التي يصفها المؤرخ الطبري في تاريخه بكثير من التفجع، معتبراً إياها المحطة التي رسخت مظلومية الشيعة وحولتها من موقف سياسي إلى عقيدة مشحونة بالعاطفة والندم والثأر الرمزي ضد ما اعتبروه “الخط الأموي” الذي يربطه الفكر الشيعي بالجمهور السني الصامت أو الموالي للسلطة آنذاك. ومع مرور الزمن، لم ينحصر الخلاف في الإمامة والسياسة بل تعداه إلى الأصول والفروع والحديث؛ فقد رفض الشيعة الاعتماد على الصحابة الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان في نقل السنة النبوية، واعتبروا آل البيت هم المصدر الوحيد النقي للشريعة، وهو ما دفع المحدثين السنة كالإمام البخاري ومسلم إلى التشدد في قبول روايات أهل البدع والتشيع والرفض، مما خلق منظومتين معرفيتين متوازيتين لا تلتقيان، حيث يرى كل طرف في الآخر تحريفاً للمنبع الأصيل للدين.
​لقد تبلور هذا العداء تاريخياً من خلال صراعات جيوسياسية كبرى غلفت المصالح الإمبراطورية بالغطاء المذهبي لإذكاء الحروب وتعبئة الجماهير، ويعد الصراع الصفوي العثماني في القرن السادس عشر الميلادي النموذج الأبرز والأكثر دموية في تكريس هذا الانقسام الإقليمي؛ فعندما أسس الشاه إسماعيل الصفوي الدولة الصفوية عام 1501 م، فرض المذهب الشيعي الإثني عشري على إيران بالقوة، وهو ما اعتبره العثمانيون السنة تهديداً مباشراً لقلب العالم الإسلامي وشرعيته الخلافية. ويكشف المؤرخ أحمد بن زنبل الرمال في مؤلفاته عن تلك الحقبة كيف تحولت الفتاوى الدينية إلى أسلحة فتاكة، حيث أصدر علماء العثمانيين، مثل شيخ الإسلام خواجه جلبي، فتاوى تكفر الصفوية وتبيح قتالهم، وفي المقابل جابهها الفقهاء المحققون في أصفهان بفتاوى مماثلة تخرج أهل السنة من ربقة الإيمان المكتمل، مما رسخ في الوجدان الشعبي لكلا الطرفين أن الآخر هو “العدو القريب” الذي يجب الحذر منه بل ومحاربته قبل العدو البعيد.
​وفي العصر الحديث، يشير المفكر والمؤرخ اللبناني وجيه كوثراني في دراساته حول المسألة الطائفية إلى أن استدعاء هذه النصوص التاريخية والجرائم العتيقة لا يحدث بشكل عفوّي، بل يتم توظيفه واستغلاله من قبل الأنظمة السياسية والميليشيات الأيديولوجية المعاصرة لتعزيز شرعيتها وإشعال الحروب بالوكالة؛ مما يجعل الخلاف القديم حول الخلافة والوصية وقوداً حياً ومستمراً لنزاعات مسيسة، تلبس لبوس الدين وهي في جوهرها صراع تقوده تلك الجماعات الطائفية للهيمنة على السلطة، وابتزاز العواطف، وتحقيق الثروة والجاه على حساب نقاء الدين.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا