اسلاميات

ميثاق المودة: فلسفة الحب والرفق بالمرأة في ميزان الإسلام واليهودية

​إنَّ الحبَّ في سياقِ النظرةِ الدينيةِ ليسَ مجرَّدَ انفعالٍ عاطفيٍّ عابر، بل هوَ جوهرُ الوجودِ الإنسانيِّ واللبنةُ الأولى في صرحِ السكينةِ النفسيَّة، وقد أفاضت نصوصُ الأديانِ التوحيديَّةِ في تبيانِ منزلةِ المرأةِ بوصفِها المحورَ الذي يدورُ حولَهُ فلكُ المودة. ففي مِشكاةِ الإسلام، يتجلى الحبُّ تجاهَ المرأةِ كآيةٍ من آياتِ الخالقِ العُظمى، حيثُ يقولُ الحقُّ سبحانه في محكمِ التنزيل: “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً”، وهنا لا يقفُ البيانُ عند حدودِ العاطفةِ المجرَّدة، بل يرتفعُ بها إلى مقامِ العبادةِ والآيةِ الكونيَّة، فالسَّكنُ هو غايةُ الطمأنينة، والمودَّةُ هي أرقى درجاتِ الحبِّ الصادقِ المقترنِ بالرحمةِ التي تتجاوزُ فتنَ المظهرِ لتبلغَ عمقَ الجوهر. وفي الهديِ النبويِّ الشريف، تكرَّست هذهِ القيمةُ في قولِ الرسولِ الأكرمِ ﷺ: “حُبِّبَ إليَّ من دُنياكم: النِّساءُ والطِّيبُ، وجُعِلت قُرَّةُ عيني في الصَّلاة”، فقد قرنَ النبيُّ الأعظمُ حبَّ المرأةِ بأزكى ما في الأرضِ من طيب، وبأسمى ما في الروحِ من صلةٍ بالخالق، مؤكداً في وصيتِهِ الخالدة: “استوصوا بالنساء خيراً”، وهي وصيَّةٌ لا تكتملُ إلا برباطِ المحبَّةِ الذي يحفظُ للمرأةِ كرامتَها ويديمُ رعايةَ شؤونِها بقلبٍ مفعمٍ بالإيثار، كما نجدُ في التراثِ الصوفيِّ الإسلاميِّ، عند محيي الدين بن عربي، أنَّ حبَّ المرأةِ هو الطريقُ الأكملُ لمشاهدةِ الحق، إذ يقولُ في فصوصِ الحكم: “فشهودُ الحقِّ في المرأةِ أتمُّ وأكملُ؛ لأنَّهُ يشهدُ الحقَّ من حيثُ هو فاعلٌ منفعل”، فالحبُّ هنا ارتقاءٌ بالروحِ نحو الكمالِ الإلهيِّ من خلالِ التقديرِ العظيمِ للأنثى.
​وعلى الضفةِ الأخرى من الفكرِ الدينيِّ القديم، نجدُ في التراثِ اليهوديِّ وكتاباتِ الأقدمينَ تقديراً استثنائياً للحبِّ الموجهِ للمرأة، لا سيما في “سفرِ نشيدِ الإنشاد” المنسوبِ للملكِ سليمان، والذي يُعدُّ أبلغَ ما كُتبَ في وصفِ العشقِ والوجد، حيثُ تردُ العبارةُ الشهيرة: “ضَعْنِي كَخَاتِمٍ عَلَى قَلْبِكَ، كَخَاتِمٍ عَلَى ذِرَاعِكَ، لأَنَّ الْمَحَبَّةَ قَوِيَّةٌ كَالْمَوْتِ”، فهذا النصُّ العتيقُ يرفعُ من شأنِ المحبَّةِ لتكونَ الندَّ الوحيدَ للقدرِ المحتوم، واصفاً جلالَ المرأةِ بمفرداتٍ تفيضُ رقةً وإجلالاً. وفي “سفرِ الأمثال”، يبرزُ مدحُ “امرأةِ الفضيلة” التي هي “أثمنُ من اللآلئ”، حيثُ يُحثُّ الرجلُ على أن يغمرَ زوجتَهُ بالحبِّ والثناءِ أمامَ الملأ، قائلاً: “بَنَاتٌ كَثِيرَاتٌ عَمِلْنَ فَضْلاً، أَمَّا أَنْتِ فَفُقْتِ عَلَيْهِنَّ جَمِيعاً”. أما في أدبياتِ “التلمود”، فيأتي التحذيرُ الصارمُ من إيذاءِ مشاعرِ المرأةِ لأنَّ “دمعتَها قريبة”، ويذهبُ فقهاءُ اليهودِ القدامى مثل “موسى بن ميمون” إلى التأكيدِ على أنَّ إكرامَ الزوجةِ ومحبتَها فرضٌ يتجاوزُ الواجباتِ الماديَّة، بل يجبُ على الرجلِ أن يُحبَّ زوجتَهُ كنفسِهِ ويُكرمَها أكثرَ من جسدِه، لكي يحلَّ “السكينة” أو “الشخينا” (التجلي الإلهي) في بيتهما. إنَّ كلا الدينين، رغمَ تباينِ المناهجِ التشريعيَّة، يلتقيانِ عند نقطةٍ جوهريَّةٍ مفادُها أنَّ الحبَّ للمرأةِ ليسَ منحةً بشريَّةً فحسب، بل هو تكليفٌ قدسيٌّ يرى في رقةِ المرأةِ انعكاساً لجمالِ الخالق، وفي كسبِ قلبِها مفتاحاً للاستقرارِ الروحي، فبينَ “رفقاً بالقوارير” في الإسلام و”عز المرأة هو عز بيتها” في اليهودية، تترسخُ حقيقةٌ واحدة: أنَّ المرأةَ كانت ولا تزالُ القبلةَ التي تتجهُ إليها عواطفُ الوجودِ تهذيباً وتقديساً، وأنَّ الأديانَ لم تأتِ إلا لتصقلَ هذا الحبَّ وتجعلَ منه سياجاً يحمي الكيانَ الإنسانيَّ من التشتتِ والضياع، محولةً العلاقةَ الإنسانيَّةَ من مجردِ تواصلٍ ماديٍّ إلى اتحادٍ روحيٍّ يبتدئُ من الأرضِ ليعانقَ آفاقَ السماء.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا