
يرتبط اسم عبد اللطيف وهبي بمرحلة استثنائية من تاريخ العدالة والسياسة في المغرب، حيث شكّل صعوده إلى واجهة مشهد القرار اختباراً حقيقياً لقدرة النخب القانونية على قيادة التغيير من داخل بنية الجهاز التنفيذي والتشريعي. انطلق هذا المسار من خلفية مهنية متجذرة في رداء المحاماة والدفاع عن الحقوق والحريات، وهو ما طبع أسلوبه السياسي بنوع من الجرأة والمواجهة التي غابت لفترات طويلة عن الكلاسيكيات الحزبية المغربية. عندما تولى الأمانة العامة لحزب الأصالة والمعاصرة، قاد عملية تحول راديكالية داخل الحزب، مخرجاً إياه من خندق “الوافد الجديد” الذي أُسس لمواجهة تيار بعينه، إلى شريك سياسي مرن وقابل للتموقع في قلب التحالفات الحكومية. هذه القفزة البراغماتية توجت بدخول الحزب إلى الائتلاف الحكومي وتقلد وهبي حقيبة وزارة العدل، لتنطلق واحدة من أكثر الفترات إثارة للجدل والنقاش العمومي في التاريخ التشريعي الحديث للمملكة، بالنظر إلى طبيعة الملفات التي فتحها والأسلوب المواجهي الذي تبناه في تدبير القطاع.
في وزارة العدل، لم يختر وهبي السير في الممرات الآمنة، بل دفع بالعديد من المشاريع القوانين الإشكالية إلى الواجهة، مستنداً إلى رؤية تحديثية تسعى لملاءمة الترسانة القانونية الوطنية مع المواثيق الدولية وقيم العصر الملتزمة بالحريات الفردية. تجلى ذلك بوضوح في إصراره على مراجعة القانون الجنائي ومدونة المسطرة الجنائية، وهي أوراق بالغة الحساسية في مجتمع يتأرجح بين النزعة المحافظة والتطلع نحو التحديث. قاد الوزير مواجهات شرسة مع تيارات متعددة، من داخل البرلمان ومن وسط مهنيي قطاع العدالة أنفسهم كالمحامين والقضاة، حول قضايا تتعلق بالاعتقال الاحتياطي، والعقوبات البديلة التي رآها حلاً لملء السجون، بالإضافة إلى نقاشات حامية حول الحريات الشخصية والضمانات الحقوقية أثناء المحاكمة العادلة. ورغم أن بعض هذه المبادرات واجهت مقاومة سياسية ومجتمعية شديدة أدت إلى كبح سرعتها أو تعديل مساراتها، إلا أن الأكيد هو نجاحه في خلخلة الركود الفكري والقانوني، وتحويل قطاع العدل من مجرد جهاز إداري لتصريف الأعمال إلى منصة لإنتاج النقاش القيمي والسياسي بامتياز.
على الصعيد الحزبي، تمكن وهبي من الحفاظ على تماسك “الأصالة والمعاصرة” رغم الهزات الارتدادية والصراعات الداخلية التي رافقت تدبيره والتحديات التنظيمية التي واجهت قياداته. لقج نجح في تحويل “البام” من قوة انتخابية تعتمد على الأعيان والروابط المحلية فقط، إلى فاعل يملك خطاباً سياسياً قادراً على المنافسة في مراكز القرار الكبرى، مبرهناً على قدرة الحزب على التكيف مع متغيرات المشهد السياسي بعد مرحلة الربيع العربي وما تلاها. غير أن هذا المسار لم يكن مفروشاً بالورود؛ فالصدامات المستمرة للرجل مع الصحافة والمجتمع المدني وبعض حلفائه في الأغلبية، خلقت انطباعاً بوجود أزمة تواصلية رافقت المنجز التشريعي، حيث طغت الإثارة الإعلامية أحياناً على الجوهر الإصلاحي للمشاريع القدمة، وهو ما أثر نسبياً على الصورة العامة للحزب كقوة هادئة ومستقرة ومؤهلة لتدبير الشأن العام بالكامل.
يقودنا جرد هذا المسار الممتد بين التشريع وإدارة الحزب إلى التساؤل الجوهري حول مدى قدرة حزب الأصالة والمعاصرة على قيادة الحكومة المستقبلية في ظل خارطة سياسية يطبعها الصراع المحموم والتنافس الصامت بين الأقطاب السياسية الكبرى. إن الإجابة عن هذا التساؤل تستلزم قراءة في طبيعة التوازنات الحزبية المغربية، حيث لم يعد الصراع أيديولوجياً بقدر ما أضحى صراعاً حول الكفاءة التدبيرية، والقدرة على نيل ثقة مراكز القرار العليا، ومدى القبول الشعبي. يمتلك الحزب حظوظاً وافرة بالنظر إلى بنيته التنظيمية القوية وانتشاره في الجماعات الترابية وعمقه في الأقاليم، لكن طموحه لقيادة الحكومة يصطدم بعقبات واضحة، أبرزها ضرورة إقناع الناخب المغربي بأنه يملك مشروعاً مجتمعياً واقتصادياً متكاملاً يتجاوز مجرد كونه حليفاً أو بديلاً لتيار آخر. بالإضافة إلى ذلك، فإن الخروج من عباءة الحزب الثاني إلى الحزب الأول يتطلب بناء توافقات وطنية كبرى، والابتعاد عن المعارك الهامشية التي تستهلك الرصيد السياسي في السجالات التشريعية دون أثر مباشر على الحياة اليومية للمواطن. في ظل المشهد الحالي، يظل صعود “البام” لرئاسة الحكومة خياراً ممكناً ومشروطاً بقدرة قيادته الجديدة واللاحقة على إظهار نضج سياسي واستقرار تنظيمي يتجاوز إرث الصراعات السابقة، ويقدم نموذجاً للحكامة يجمع بين جرأة وهبي التشريعية ورصانة التموقع في بنية الدولة.





