منوعات

​أدوار العين البشرية في منظومة الرصد الاستخباراتي

يُقصد “بالعين” في الأدبيات الاستخباراتية الدقيقة ذلك المصدر البشري الموثوق الذي يُزرع أو يُوظف بحرفية عالية للبقاء داخل بيئة محددة لفترات طويلة، بحيث يقتصر دوره الجوهري على المراقبة المستمرة ونقل تفاصيل الحياة اليومية والتحركات الدقيقة التي لا ترصدها الأقمار الصناعية ولا تكشفها التنصتات الإلكترونية. وتضرب جذور الاعتماد على العيون البشرية في عمق التاريخ العسكري والسياسي، حيث أدركت القيادات القديمة أن وجود شخص صامت يراقب مفاتيح الأمور من الداخل أثبت جدوى أكبر بكثير من الحملات الهجومية العشوائية، وهو ما تطور في العصر الحديث ليصبح فرعاً قائماً بذاته يعتمد على دراسة الأنثروبولوجيا الاجتماعية والنفسية للبيئة المستهدفة. وتنحصر الوظيفة الأساسية للعين في رصد المزاج العام، وتتبع تفاصيل الأنشطة الروتينية، والتقاط الإشارات المبكرة للتغيرات السياسية أو العسكرية قبل وقوعها، حيث تتطلب هذه الوظيفة صبراً استثنائياً وقدرة فائقة على الاندماج التام والذوبان في تفاصيل المجتمع المحلي دون إثارة أي شبهات حول هويته أو غايته. وتخضع عملية تكوين العين وبنائها لبرامج تأهيلية دقيقة تركز على تعزيز الثبات الانفعالي، واكتساب مهارات الذاكرة البصرية الحادة، والقدرة على التقاط التفاصيل الدقيقة وتخزينها دون الحاجة لتدوينها، بالإضافة إلى التدريب على طرق التواصل غير المباشر واستخدام إشارات آمنة وخفية لتسليم التقارير دورياً إلى ضابط الاتصال المسؤول عنه دون كشف حلقة الوصل. أما عن دوره المحوري في اتخاذ القرار الاستراتيجي، فيكمن في تقديم صورة حية وميدانية تكمل النقص الحاصل في التقارير الرقمية، مما يمنح صانع القرار رؤية واقعية متكاملة تساعد على استباق الأزمات، وتقييم النوايا الحقيقية للخصوم بدقة بالغة ترتكز على الواقع المعيش لا على التقديرات النظرية المحض.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا